لم يعد ملف ادارة النفايات في مدينة صيدا مجرد أزمة مرتبطة بتراكم الأكياس في الشوارع أو حريق يندلع في جبل نفايات بمحاذاة معمل المعالجة في منطقة سينيق بل بات قضية مفتوحة على تساؤلات تتعلق بالأداء البيئي والمالي للمعمل ومدى التزامه شروط العقد الموقع مع بلدية صيدا من جهة ومصير الأموال التي تُدفع لقاء معالجة النفايات من جهة اخرى فضلاً عن المسؤوليات المتداخلة بين البلدية والشركة المشغّلة ووزارات الدولة المعنية.
الحريق الذي اندلع في جبل النفايات في السادس من تشرين الأول الجاري أعاد هذا الملف إلى واجهة الاهتمام بعد مرحلة سبقتها أزمة إقفال المعمل وامتناعه عن استقبال النفايات اعتراضاً على عدم تسديد مستحقاته المالية وما نتج من تراكم النفايات في شوارع المدينة. مشهدان متتاليان أعادا طرح السؤال الأساسي: كيف وصلت صيدا التي أنشئ فيها معمل لمعالجة النفايات إلى واقع يتراكم فيه جبل جديد من النفايات إلى جانب المعمل نفسه؟.
وتتسع دائرة التساؤلات في ظل تقديرات تتحدث عن وجود مئات آلاف الأطنان من النفايات في الجبل المتراكم فيما يستقبل المعمل نحو 250 طناً يومياً من النفايات الواردة من صيدا واتحاد بلديات صيدا الزهراني الذي يضم 16 بلدية. وتُطرح في هذا السياق أرقام عن نسب المعالجة الفعلية إذ تشير معطيات إلى أن المعمل يعالج ما بين 40 و50 في المئة من الكميات الواردة وهي نسبة تبقى موضع خلاف وتحتاج إلى تدقيق مستقل يحدد الكميات الداخلة وطبيعة المواد التي يجري التعامل معها وما يتبقى منها من دون معالجة.
وسط هذا المشهد تتباين المواقف بين اتهامات يوجّهها النائب أسامة سعد إلى المعمل على خلفية ادائه البيئي والمالي معتبراً أنه بات يشكل عبئاً على المدينة، وموقف بلدي يرفض استمرار تراكم النفايات ويؤكد العمل على وضع خطة لمعالجة الأزمة وإعادة ضبط العلاقة التعاقدية مع الشركة. في المقابل تحمّل شركة IBC المشغلة للمعمل وزارة المالية مسؤولية تعثر عملها بسبب عدم تسديد مستحقاتها معتبرة أن هذا التأخير انعكس سلباً على قدرتها التشغيلية.
وبالاطلاع على العقد الموقع بين بلدية صيدا والشركة المشغّلة فالتسعيرة التي تبلغ حالياً 95 دولاراً للطن الواحد بعدما كانت 28 و44 دولاراً وفق العقد الأساسي باتت موضع مراجعة بلدية في ظل المطالبة بربط الكلفة بالكميات التي تتم معالجتها فعلياً وليس بمجرد الكميات التي تصل إلى المعمل فيما تتمسك الشركة بأن ضمان استمرار عملها يرتبط بتسديد المستحقات .
لكن المسألة لا تقف عند حدود التسعيرة أو المتأخرات المالية. فغياب الرقابة المستقلة منذ العام ٢٠٢٣ يترك الباب مفتوحاً أمام تضارب الأرقام والتفسيرات ويجعل تحديد المسؤوليات أكثر تعقيداً. ومن هنا، فإن جوهر الحل لا يكمن فقط في إزالة الجبل المتراكم بل في وضع آلية واضحة وشفافة لوزن النفايات الواردة إلى المعمل ومراقبة نوعيتها وتوثيق الكميات التي تدخل المعمل وتلك التي تتم معالجتها فعلياً بما يسمح بتقييم الأداء على أساس الوقائع والأرقام ولا يعيد تكرار المشكلة .
ولو افترضنا انه تم تقويم عمل وأداء المعمل ورفع نسبة المعالجة من أربعين إلى ثمانين في المئة على أهميته لا يشكّل حلاً نهائياً لأزمة النفايات بل يبقي السؤال الأساسي قائماً: أين ستذهب العوادم المتبقية وكيف ستُعالج أو يتم التخلص منها ووفق اي معايير بيئية؟ وهو ما يجعل تأمين مطمر صحي أو إيجاد مسار آمن للتعامل مع هذه العوادم شرطاً أساسياً لنجاح أي خطة لمعالجة النفايات في صيدا لا تفصيلاً يمكن تجاوزه..
عكرة
وفي حديث خاص الى "الوكالة الوطنية للاعلام" عن هذا الملف أكد نائب رئيس بلدية صيدا الدكتور أحمد عكرة أن البلدية بمجلسها مجتمعة ترفض ما الت اليه الامور من تراكم جبل جديد للنفايات ، محملا المسؤولية بشكل اساسي للأداء التراكمي لمعمل معالجة النفايات. مشيرا إلى ان البلدية تعمل بحكم مسؤوليتها للحد من التداعيات البيئية والصحية التي تتحمل المدينة أعباءها، على وضع خطة عملية ومنطقية لمعالجة هذا الملف بما يضمن تحسين أداء المعمل لازالة ما تراكم والاستفادة مستقبلا من التجربة لمنع تراكم اي كميات اضافية.
وشدد عكرة على أن البلدية ليست غائبة عن متابعة الملف بل اتخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه من بينها التقدم بدعوى قضائية على خلفية إقفال المعمل وعدم استقباله النفايات، إضافة إلى شكوى على خلفية الحريق الذي شبّ مؤخراً في جبل النفايات المتراكم بالقرب منه، مؤكداً أن البلدية تسعى إلى معالجة الأزمة من جوانبها المختلفة وصولاً إلى حلول مستدامة تنهي حالة المراوحة القائمة.
وأوضح أن الخطة التي تعمل البلدية على بلورتها ترتكز في مرحلتها الأولى على تعيين شركة مراقبة من قبل مجلس الإنماء والإعمار استناداً إلى قرار مجلس الوزراء تتولى مراقبة أداء المعمل والتحقق من الكميات الواردة إليه، من خلال توزين أطنان النفايات الداخلة ومتابعة الكميات التي تتم معالجتها فعلياً بما يتيح تحديد مدى الالتزام بالشروط المتفق عليها وتقييم الأداء بصورة دقيقة وشفافة.
وكشف عكرة عن توجه لإعادة النظر في شروط العقد الموقع مع المعمل، بدعم من وزارتي المالية والبيئة، لا سيما لجهة تسعيرة الطن الواحد التي تبلغ حالياً ٩٥ دولاراً، والذي تم رفعها من ٢٨ و ٤٤ دولارا بحسب العقد الاساسي الموقع بين بلدية صيدا والمعمل، الى ٩٥$ بناء لقرار رقم ٣٣/٢٠١٢ المتخذ في مجلس الوزراء، حيث ستعمل بلدية صيدا على اعادة التوازن الى العقد ليصار الى الاتفاق على سعر معالجة اقل من الحالي ومنصف لكلا الطرفين، وبما يتناسب مع الكميات التي تتم معالجتها فعلياً بما يحقق التوازن بين الالتزامات التعاقدية والنتائج المحققة على أرض الواقع.
أما في ما يتعلق بجبل النفايات المتراكم بالقرب من المعمل، فأشار عكرة إلى أن البلدية ستبحث حلولاً عملية لمعالجة هذه المشكلة، وفي مقدمها دراسة آلية نقل النفايات إلى مطمر تحدده الدولة اللبنانية في حال تعذرت معالجتها في الموقع. ولفت إلى أن إزالة هذا التراكم تشكل خطوة أساسية للانتقال إلى خطة عمل واضحة تقوم على مراقبة إدخال النفايات ومعالجتها وتحسين أداء المعمل وضمان التزامه شروط العقد، كي لا يتكرر تراكم لاي جبل جديد خاصة ان المعمل نفسه صرح انه في فترة معينة لم يكن يقوم بمعالجة لكامل الكميات الواردة، بغض النظر عن صحة النسبة التي يدعيها او عدمها.
ورداً على سؤال عن الخطوات التي ستتخذها البلدية في حال رفض إدارة المعمل تعديل التسعيرة أكد أن كل الاحتمالات ستبقى مفتوحة بما فيها فسخ العقد، مشدداً على أن الهدف هو الوصول إلى صيغة تضمن معالجة النفايات فعلياً وتضع حداً لاستمرار الأزمة وتداعياتها على المدينة وأهلها.
وفي المقابل، دعا الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها والتعاون مع البلدية في هذا الملف، مؤكداً أن المسؤولية لا تقع على عاتق البلدية وحدها، بل تشمل أيضاً الوزارات المعنية ولا سيما وزارتي البيئة والمالية سواء من خلال تأمين الحلول اللازمة لتحديد مطمر مناسب أو تسديد المستحقات المالية المترتبة.
ولفت الى أن صيدا لا يجوز أن تبقى رهينة تعثر هذا الملف بعدما تكبدت أضراراً بيئية وصحية متراكمة مشدداً على أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلاً جدياً وتعاوناً بين مختلف الجهات المعنية باعتبار أن الدولة تبقى صمام الأمان في إيجاد الحلول.
وختم بتوجيه دعوة إلى نواب صيدا وفاعلياتها وقواها الأساسية ومختلف الأفرقاء فيها إلى مقاربة ملف النفايات بواقعية، والتكاتف مع البلدية والعمل يداً بيد للوصول إلى معالجة عملية لهذه الأزمة إلى جانب التعاون في الملفات الأساسية والملحّة التي تواجه المدينة. وأكد أن مصلحة صيدا وأهلها يجب أن تبقى فوق أي اعتبار إذ لا مصلحة لأحد في استمرار تراكم النفايات وتفاقم الأضرار فيما المطلوب تضافر الجهود وتحمل المسؤوليات للوصول إلى حلول جدية ومستدامة .
IBC
في المقابل، صرح مدير الامتثال في شركة IBC المشغّلة لمعمل معالجة النفايات في صيدا، الدكتور نبيل طباجة للوطنية أن لا خلاف ماليًا أو تعاقديًا بين الشركة وبلدية صيدا كما يروجه البعض، وبأن وزارة المالية تتحمل مسؤولية أساسية عن التعثر الذي أصاب عمل المعمل، بعد كل الإصلاحات التي قام بها، رغم الوعود المتكررة بالدفع، عازياً ذلك إلى عدم تسديد المستحقات المالية المتوجبة للشركة عن الأعوام 2024 و2025 و2026، وما ترتب على ذلك من صعوبات مالية انعكست على قدرتها التشغيلية والتزاماتها.
واعتبر أن هناك جهات لا تريد استمرار الشركة في عملها، موضحا أن المعمل تعثر نتيجة عدم قبض مستحقاته، رغم وجود قرار من مجلس الوزراء بتسديد مستحقات العام 2024. وأوضح أن الشركة أُبلغت بتوجه لتسديد مبلغ 5.6 ملايين دولار وتقسيط مبلغ مماثل قبل نهاية 2026، قبل أن يُخفّض ، دون وجه حق وخلافاً للقانون، المبلغ المقرر دفعه إلى 2.8 مليون دولار، على أن يُقسط المبلغ المتبقي البالغ 2.8 مليون دولار قبل نهاية العام 2026 وقد صرح معالي الوزير أن الشركة لم تأتي وتقبض هذا المبلغ رغم أن الشركة بالعادة تقبض مستحقاتها من خلال تحويل من وزارة المال إلى المصرف الذي تتعامل معه منذ زمن طويل. وقد أكد الوزير مؤخراً بعد إجتماع محامي الشركة معه الأستاذ محمد عالم ان الدولة قادرة الأن على التسديد حالياً نصف كشوفات العام 2026 دون حسم أي مبلغ يدفع نصفه الأن والباقي قبل نهاية السنة إلا أن الشركة لم تستلم أيّاً من هذه المبالغ حتى الآن.
وسأل عن كيفية مطالبة المعمل بمواصلة عمله وتحمّل مسؤولياته التشغيلية في ظل عدم تسديد مستحقاته، مشيراً إلى أن نحو 250 عائلة تعتاش من هذا المرفق، فضلاً عن حاجته المستمرة إلى قطع الغيار والمعدات اللازمة لضمان استمرارية العمل. وانتقد تذرّع وزارة المالية بعرقلة التسديد، رغم وجود قرار حكومي بشأن التسوية. وتابع متسائلًا ما إذا كانت إزالة النفايات من شوارع الإتحاد حفاظًا على الصحة والسلامة العامة وتأمين استمرارية الخدمة العامة تقابل بهذه الطريقة من التعامل ام أنها، إضافةً الى تعطيل المستحقات تندرج في سياق التمهيد لاقفال المعمل أو استبدال الشركة المشغلة.
وشدد طباجة على أن الشركة لا تستطيع الاستمرار في ظل ما وصفه بالتسويف وعدم الإيفاء بالالتزامات المالية، معتبراً أن استمرار تحميلها المسؤولية من دون معالجة أسباب التعثر الفعلية لا يساعد في الوصول إلى حل، بل يفاقم الأزمة ويهدد استمرارية الخدمة التي يقدمها المعمل للمدينة.
وفي ما يتعلق بالحريق الذي اندلع في جبل النفايات المحاذي للمعمل، نفى طباجة أي مصلحة للشركة في حصوله، مشدداً على أن IBC كانت من أكبر المتضررين منه، نظراً إلى الخسائر المادية والمعنوية الكبيرة التي لحقت بها. وأوضح أن الحريق أدى إلى احتراق مواد ناتجة عن معالجة المواد العضوية داخل الهاضم اللاهوائي، ما تسبب بأضرار إضافية للشركة.
ورفض طباجة الاتهامات التي تربط الشركة بالحريق، معتبراً أن تحميلها المسؤولية لا يستند إلى منطق، في ظل الأضرار التي تكبدتها. كما انتقد المواقف المطالبة بإقفال الشركة، متهماً جهات عدة بإلقاء الاتهامات على المعمل من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة النفايات.
أما في ما يتعلق بجبل النفايات المتراكم، فأشار إلى أن الكميات فيه تتجاوز الـ 350 ألف طن، لافتاً إلى أن نحو 40 في المئة منها عبارة عن تراب، وفق تقديره. وأشار الى أن هذه النفايات ليست متجانسة، بل تضم، بحسب قوله، نفايات خاصة، من بينها نفايات طبية ومخلّفات مسالخ، إضافة إلى إطارات وأثاث منزلي كبيرة الحجم ومواد أخرى لا تدخل ضمن طبيعة النفايات المنزلية الصلبة التي صُمم المعمل لمعالجتها.
وفي هذا السياق، شدد على أن تقييم أداء المعمل يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة النفايات التي تصل إليه ومدى مطابقتها للمواصفات المطلوبة، موضحاً أن هناك بروتوكولاً معروفاً لمعالجة النفايات المنزلية الصلبة، وأن خلطها بأنواع أخرى من النفايات يطرح تحديات مختلفة على مستوى المعالجة والتشغيل.
وانتقد غياب شركة مراقبة عن المعمل منذ عام 2023، وفق قوله، معتبراً أن وجود جهة رقابية مستقلة من شأنه أن يحدد نوعية النفايات الواردة وكمياتها، ويتيح التحقق من مدى التزام جميع الأطراف بالشروط المطلوبة، بدلاً من تبادل الاتهامات بشأن الأداء والكميات المعالجة.
وكشف أن الشركة استحضرت أخيرًا معدات قال إنها قادرة على معالجة جبل النفايات المتراكم، إلا أنه اتهم جهات معنية بعرقلة تمكينها من تنفيذ هذه الخطوة، معتبراً أن الشركة لا تُمنح الفرصة الكافية لإثبات قدرتها على معالجة المشكلة، ومن الضرورة أن يعلم أهلنا في صيدا أن الشركة لم تتواكب بتسديد مستحقاتها أو جزء من مستحقاتها مع خطتها التطويرية وأن مسؤولية تعرض ماكيناتها وآلياتها والتعطيل والتخريب والتوقف عن إستقبال النفايات يقع على عاتق من يعرقل جهودها كافة.
وختم طباجة بالتأكيد أن IBC مستعدة لمواصلة تقديم الخدمة العامة التي يوفرها المعمل لمدينة صيدا، شرط معالجة ملف المستحقات المالية وتأمين الظروف اللازمة لاستمرار العمل، داعياً إلى وقف ما وصفه بالتسويف وإلقاء الاتهامات جزافاً، ومعتبراً أن معالجة أزمة النفايات تتطلب تحديد المسؤوليات بوضوح، وتأمين الرقابة على نوعية النفايات الداخلة إلى المعمل، وتسديد المستحقات المتوجبة، بما يسمح باستعادة القدرة التشغيلية ووضع حد لتفاقم الأزمة.

