لم يعد حادث السير في صيدا خبراً عابراً.
يكفي أن يصل خبر حادث جديد حتى يبدأ القلق، وتبدأ الاتصالات بالأبناء والأهل والأصدقاء للاطمئنان أنهم بخير.
فمع تكرار الحوادث وسقوط الضحايا، بات من المشروع أن نسأل: إلى متى ستبقى شوارع صيدا بهذا المشهد ومن يتحمل مسؤولية وضع حد لهذه الفوضى؟
المشكلة ليست في الدراجات النارية وحدها، ولا في أصحابها جميعاً، كما أنها ليست في السيارات أو الشاحنات والكاميونات.
المشكلة في غياب التنظيم وفي عدم تطبيق القانون بصورة تحمي الجميع.
دراجات تسير بعكس السير، تجاوزات خطرة، سرعات متهورة، قيادة من دون الالتزام بشروط السلامة، وأحياناً أطفال في الثامنة والتاسعة والعاشرة يقودون دراجات نارية في شوارع المدينة.
وفي المقابل قد يجد سائق سيارة دراجة نارية في وجهه، فيصبح هو أيضاً معرضاً للخطر، وقد يدفع ثمن مخالفة لم يرتكبها.
وهنا لا بد من التوقف عند مسؤولية الدولة.
فصيدا لديها قرار يمنع سير الدراجات النارية ضمن نطاقها، وقد أكدت وزارة الداخلية استمرار هذا المنع، كما سبق لبلدية صيدا أن أعلنت التشدد في قمع المخالفات وتنفيذ القرار.
فإذا كان القرار قائماً، فليُطبّق.
وإذا كانت الظروف الاقتصادية وحاجة بعض المواطنين إلى الدراجات قد فرضت واقعاً جديداً، فليكن هناك تنظيم رسمي واضح بدل ترك الشوارع بين قرار على الورق وواقع مختلف تماماً.
والحل ليس في التضييق على من يستخدم الدراجة لكسب رزقه، بل في تنظيم استخدامها.
يمكن وضع آلية قانونية واضحة لأصحاب المؤسسات وعمال التوصيل وغيرهم ممن يحتاجون الدراجة في عملهم، بحيث يكون السائق حائزاً على رخصة سوق، والدراجة مسجلة ومستوفية للشروط القانونية، ويتقدم صاحبها بطلب للحصول على ترخيص خاص يتيح له استخدامها داخل المدينة ضمن ضوابط محددة.
أما من يقود بعكس السير، أو بسرعة متهورة، أو من دون رخصة، أو بدراجة غير قانونية، أو يسمح لطفل بقيادتها، فيجب أن يواجه تطبيق القانون من دون استثناءات.
ولا يمكن أن نتحدث عن سلامة السير ونغفل عن الشاحنات والكاميونات.
فمدينة مكتظة كصيدا تحتاج إلى تنظيم واضح لحركتها، من خلال تحديد أوقات ومسارات مناسبة، خصوصاً في ساعات الذروة، وتنظيم عمليات التوقف والتحميل والتفريغ بما يخفف الازدحام ويحمي السائقين والمشاة.
وهنا تقع المسؤولية على أكثر من جهة: وزارة الداخلية، قوى الأمن الداخلي، محافظ الجنوب، وبلدية صيدا، كل ضمن صلاحياته.
فالمطلوب ليس تبادل المسؤوليات، بل وضع خطة مرورية مشتركة وتنفيذها على الأرض.
أما بلدية صيدا، فمن حق أبناء المدينة أن يسألوا: ماذا بعد الاجتماع البلدي الذي عُقد في 14 تموز 2026 وناقش ملف الدراجات النارية؟
مر أكثر من شهر، والحوادث مستمرة.
فأين أصبحت المقترحات؟
وما الخطوات التي اتخذت فعلياً؟
وهل حصل التنسيق مع وزارة الداخلية والمحافظ والقوى الأمنية؟
الناس لا تحتاج إلى المزيد من الاجتماعات والبيانات بعد كل حادث، بل تحتاج إلى إجراءات ملموسة تُرى في الشارع.
وهذه الإجراءات تبدأ بتطبيق قرار منع الدراجات النارية أو إعادة تنظيمه رسمياً إذا تقرر ذلك، مع استثناءات قانونية واضحة لمن يحتاجونها للعمل، وتنظيم حركة الشاحنات والكاميونات، وتكثيف الرقابة في النقاط التي تتكرر فيها المخالفات والحوادث.
وإلى أصحاب الدراجات، لا بد من كلمة أيضاً: الالتزام بالقانون ليس تضييقاً عليكم، بل حماية لكم ولغيركم.
الدراجة وسيلة نقل وعمل، وليست وسيلة للمخاطرة بحياة الناس.
صيدا لا تحتاج إلى تشخيص جديد للمشكلة، فالمشكلة باتت واضحة للجميع، والحلول ليست مستحيلة.
ما تحتاجه المدينة هو أن يتحول القرار إلى إجراء، والاجتماع إلى خطة، والخطة إلى عمل.
هل نحتاج إلى ضحية جديدة حتى تتحرك الجهات المعنية؟
صيدا تستحق شوارع أكثر أماناً، وتستحق من المسؤولين أن يتحملوا مسؤولياتهم ويعملوا على الأرض، قبل أن يدفع المزيد من أبنائها ثمن الفوضى.