منذ آلاف السنين، وقفت صيدا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط شاهدة على تعاقب الحضارات، وصانعة لدور تجاوز حدودها الجغرافية.
فهي إحدى أقدم مدن العالم المأهولة، وإحدى أهم المدن الفينيقية على ساحل المتوسط، حيث ازدهرت فيها التجارة والصناعات والحرف، وانطلق منها الأرجوان الذي ارتبط باسمها في ذاكرة العالم القديم، كما اشتهرت بصناعة الزجاج، وبمهارة أبنائها الذين جعلوا من البحر مساحة للتواصل والانفتاح.
ولم تتوقف حكاية صيدا عند صفحات التاريخ القديم، بل بقيت مدينة نابضة بالحياة، حافظت على إرثها الحضاري رغم تعاقب الأزمنة والأزمات.
فمن أسواقها العتيقة، إلى قلعتها البحرية، وأحيائها التراثية، ومساجدها وكنائسها، ظلّت شاهداً على مدينة احتضنت التنوع، ونسجت عبر القرون نموذجاً فريداً للتعايش والانفتاح، حتى أصبحت إحدى أبرز المدن التي تختصر الهوية الثقافية للبنان.
ولم يكن اختيار صيدا عاصمة للثقافة والحوار في شرق المتوسط لعام 2027 حدثاً بروتوكولياً، بل اعترافاً بمكانة مدينة صنعت التاريخ، وما زالت تملك كل المقومات لتكون منارة ثقافية وحضارية في الحاضر والمستقبل.
غير أن هذا الاعتراف يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية لا تقل أهمية عن قيمة اللقب نفسه.
فبعد أشهر قليلة فقط ستتجه الأنظار إلى صيدا، لا باعتبارها مدينة لبنانية فحسب، بل بوصفها المدينة التي اختيرت لتمثل لبنان في هذا الحدث المتوسطي.
وعندها لن تُقاس الصورة بما يُكتب في الكتيبات أو يُقال في الكلمات الرسمية، بل بما يراه الزائر على أرض الواقع.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تأجيله: هل أعددنا صيدا لتكون على مستوى هذه المسؤولية؟
لقد اختيرت صيدا إلى جانب مدينة قرطبة الإسبانية لحمل هذا اللقب. ومن الطبيعي أن تبدأ المدن التي تنال مثل هذا التكريم بالإعداد المبكر، لأن العواصم الثقافية لا تُصنع في الأشهر الأخيرة، بل تُبنى بخطط واضحة، واستثمارات مدروسة، ورؤية تمتد إلى ما بعد انتهاء المناسبة.
فهل بدأنا نحن المسار الذي يليق بمدينة ستمثل لبنان أمام ضفتي المتوسط؟
أين الخطة الوطنية التي تجمع جهود وزارة الثقافة، ووزارة السياحة، ووزارة الأشغال، ووزارة الداخلية، وبلدية صيدا، وسائر الإدارات المعنية، ضمن رؤية واحدة تضمن نجاح هذا الحدث؟
أين مشاريع تأهيل المواقع الأثرية وصيانتها، وإعادة إبراز المعالم التاريخية التي تختزن ذاكرة المدينة؟
أين الخطط الهادفة إلى تحسين المشهد العمراني، وتطوير المداخل والساحات والشوارع التراثية، لتكون صيدا بالصورة التي تستحقها؟
أين المبادرات التي تفتح أبواب التعاون مع المنظمات الدولية والمؤسسات الثقافية والجهات المانحة، للاستفادة من هذا الحدث في تنفيذ مشاريع تبقى آثارها لعقود، بدلاً من أن تقتصر الجهود على فعاليات تنتهي بانتهاء عام 2027؟
وأين البرامج التي تجسد فعلياً معنى "الثقافة والحوار"، من مؤتمرات دولية، وملتقيات فكرية، ومعارض فنية، ومبادرات شبابية، وأنشطة تعزز الحوار بين الثقافات والأديان، وتعيد التأكيد على الدور التاريخي الذي لعبته صيدا كمدينة للانفتاح والتلاقي؟
هذه الأسئلة ليست انتقاداً لأحد، بل دعوة صادقة إلى تحمّل المسؤولية قبل فوات الأوان.
فما زال بالإمكان تحويل هذا اللقب إلى محطة مفصلية في تاريخ المدينة، شرط أن يبدأ العمل اليوم لا غداً.
ولعل الخطوة الأولى تكمن في تشكيل لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن الوزارات المعنية، وبلدية صيدا، وخبراء في الثقافة والآثار والتخطيط العمراني والسياحة، تتولى وضع خطة تنفيذية بجدول زمني واضح، ومتابعة تنفيذها بشفافية، بعيداً عن الارتجال وردود الفعل المتأخرة.
كما أن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق ورشة متكاملة لتأهيل المواقع الأثرية، وتحسين البنية التحتية، وإعادة الاعتبار للمدينة القديمة، إلى جانب إشراك الجامعات، والجمعيات الثقافية، والقطاع الخاص، والشباب، في صناعة برنامج ثقافي يعكس حقيقة صيدا، لا الصورة النمطية عنها.
إن نجاح صيدا في عام 2027 لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاحتفالات أو المؤتمرات، بل بما سيبقى بعدها. فالمدن التي تصنع التاريخ هي تلك التي تحوّل المناسبات إلى مشاريع تنموية وثقافية مستدامة، لا إلى ذكريات عابرة.
وصيدا اليوم لا تمثل أبناءها وحدهم، بل تمثل لبنان بأسره. وكل صورة ستُنقل عنها، وكل تقرير سيُكتب عنها، وكل انطباع سيحمله زائر يغادرها، سيكون انعكاساً لصورة لبنان وثقافته وقدرته على صون إرثه الحضاري.
إن الاستثمار في صيدا ليس مطلباً محلياً، بل استثمار في صورة وطن، وفرصة لإعادة تقديم لبنان من بوابة مدينة كانت، وما زالت، عنواناً للحضارة والانفتاح.
فهل نحسن استثمار هذه الفرصة، أم نتركها تمر كما مرّت فرص كثيرة قبلها؟
التاريخ منح صيدا هذا التكريم.
أما نجاحه فمسؤولية تقع على عاتق الدولة وكل من يعنيه مستقبل هذه المدينة، لأن صيدا حين تنجح، لا يربح أبناؤها وحدهم، بل يربح لبنان كله.
07/31/2026 \n

