لم يعد عام 2027 موعداً بعيداً.
بضعة أشهر فقط تفصل صيدا عن عام ستتجه فيه الأنظار إليها بعدما اختيرت عاصمة متوسطية للثقافة والحوار، في استحقاق يحمل للمدينة الكثير من الاعتزاز، ويفتح أمامها في الوقت نفسه فرصة استثنائية لإبراز تاريخها وهويتها ومكانتها على ضفاف المتوسط.
ومنذ إعلان الاختيار بدأت التحضيرات تتخذ مساراً عملياً من خلال اجتماعات وخطط واتفاقيات وشراكات يُفترض أن تضع الأسس لهذا العام.
وكان آخرها توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الثقافة ومؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، ممثلتين بوزير الثقافة الدكتور غسان سلامة ورئيسة المؤسسة السيدة بهية الحريري، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون في المجالات الثقافية والتعليمية والتنموية، ودعم البرامج والأنشطة المرتبطة بصيدا 2027.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي فيما تدخل المدينة مرحلة يُفترض أن تنتقل فيها تدريجياً من وضع الأطر والتحضيرات إلى ترجمتها على الأرض.
فالوزير سلامة اعتبر أن نيل اللقب كان الجولة الأسهل فيما تبدأ اليوم المرحلة الأصعب أي مرحلة العمل، مشدداً على أهمية المشاريع المستدامة التي تُبرز بنية المدينة ولا تحصر المناسبة بسلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية.
كما أعلن عن طلبه من المديرية العامة للآثار تخصيص ميزانية عاجلة للاهتمام بالمباني الأثرية في صيدا وإبرازها.
من جهتها شددت الحريري على أن التحدي يتمثل في وضع الآليات الكفيلة بتحويل اللقب إلى حيوية متكاملة داخل المدينة بحيث لا تنتهي مفاعيله بانتهاء عام الاحتفالية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
فصيدا لا تبدأ من الصفر ولا ينقصها التاريخ أو التراث أو المقومات الثقافية والسياحية.
قصتها حاضرة في مدينتها القديمة وأسواقها وبيوتها وأزقتها، وفي قلعتها وبحرها ومواقعها الأثرية وذاكرة أهلها.
والتحدي هو في جمع هذه العناصر ضمن رؤية واحدة تعيد تقديم المدينة بالصورة التي تليق بها.
ومع اقتراب الموعد يصبح من الطبيعي أن يتطلع الصيداويون إلى معرفة المزيد عن البرنامج الذي سيواكب هذا الاستحقاق.
ما الأنشطة الثقافية والفنية والتراثية التي ستشهدها المدينة؟
وما المشاريع المرتقبة؟
وكيف ستكون مشاركة أبناء صيدا ومؤسساتها في صناعة هذا الحدث؟
ولا تقتصر الاستعدادات على البرنامج الثقافي وحده.
فالزائر الذي سيأتي إلى صيدا سيكتشف ثقافتها من خلال المدينة نفسها، بدءاً من مداخلها وشوارعها وساحاتها، مروراً بالمدينة القديمة ومواقعها التاريخية، وصولاً إلى واجهتها البحرية.
كما أن النظافة والإنارة والإرشادات السياحية والمواقف وتنظيم حركة السير تبقى جزءاً أساسياً من التجربة التي ستقدمها صيدا لضيوفها.
من هنا قد يشكل هذا الاستحقاق فرصة تتقاطع فيها المشاريع الثقافية مع تحسين المشهد العام للمدينة وإبراز معالمها، لتتكامل الفعاليات مع صورة صيدا التي ستستقبل بها زوارها.
أما نجاح هذه التجربة فلا يمكن أن يبقى مسؤولية جهة واحدة.
فالبلدية ووزارة الثقافة والمؤسسات والجمعيات والجامعات والمدارس والفنانون والمثقفون والإعلاميون والقطاعان السياحي والتجاري والشباب، جميعهم قادرون على لعب دور في صناعة عام مختلف لصيدا.
لكن توسيع دائرة المشاركة يحتاج أيضاً إلى أن تكون الصورة واضحة أمام الناس.
ما الذي يجري التحضير له وكيف يمكن للمؤسسات والأفراد تقديم أفكارهم والمساهمة فيه؟
ومع تقدم التحضيرات يصبح إشراك الصيداويين في تفاصيل هذا المسار خطوة أساسية، ليكونوا جزءاً من الحدث منذ الآن، وليشعروا بأنه مشروع مدينة بأكملها يشاركون في صنعه.
فالفرصة التي تقف أمام صيدا اليوم أكبر من لقب يمتد لعام واحد.
وإذا أُحسن استثمارها ثقافياً وسياحياً واقتصادياً، يمكن لعام 2027 أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تعزز حضور المدينة على الخريطة المتوسطية.
لقد بدأت عجلة التحضير، فيما تحمل الأشهر المقبلة مرحلة الانتقال من الخطط إلى ما سيلمسه الصيداوي والزائر على أرض المدينة.
صيدا تملك القصة والتاريخ والهوية، والعام المنتظر يمنحها مساحة واسعة لتروي هذه القصة من جديد، ولتحوّل هذا الاستحقاق إلى محطة تليق بمدينة عريقة تتطلع إلى المستقبل.
09/26/2026 \n

