لم يكن القصر البلدي في بلدة الهلالية مجرّد مشروع إنشائي عابر، بل هو ثمرة حلمٍ طال انتظاره في وجدان أبناء البلدة وتعاقب المجالس البلدية. حلمٌ تأجّل مرارًا تحت وطأة الظروف، إلى أن وجد طريقه إلى التنفيذ بجهود المجلس البلدي الحالي برئاسة السيد ميشال إلياس أبو زيد، ليغدو اليوم خطوة في الألف ميل ورمزًا حيًّا لإرادة العمل العام، وعنوانًا لبلديةٍ تضع خدمة الإنسان في صلب أولوياتها دون تمييز، وفي التصاقٍ مباشر بقضايا الناس واحتياجاتهم اليومية.
هذا الصرح البلدي لا يُختصر بجدرانٍ وسقوف، بل يعبّر عن رؤية متكاملة لعمل بلدي حديث، يوازن بين الأصالة والتطوير، ويؤكد أن التنمية المحلية ليست خيارًا مؤجّلًا، بل مسؤولية مستمرة. ومن هنا، يأتي القصر البلدي ليكون بيتًا جامعًا لأبناء الهلالية والمقيمين فيها، ومساحةً مفتوحةً للإدارة القريبة من الناس، الحاضرة في تفاصيل حياتهم.
رئيس البلدية
ويقول رئيس البلدية السيد ميشال أبو زيد: “نقف اليوم على أعتاب تحقيق حلم طالما راود أبناء بلدتنا والمقيمين فيها، حلمٌ لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل طموحٌ متجذّر في وجدان الهلالية، يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل، ليصبح اليوم واقعًا نضع أولى لبناته بثقة وإيمان.
ويضيف أبو زيد: إن مشروع القصر البلدي ليس مجرد مبنى إداري، بل هو عنوان للانتماء والإنماء معًا، ومرآة تعكس هوية البلدة وتاريخها، ومحطة أساسية في مسيرة النهوض والتنمية التي التزم بها المجلس البلدي الحالي منذ اليوم الأول لتسلّمه مهامه.
ويتابع: كما يأتي هذا المشروع ضمن خطة متكاملة نعمل على تنفيذها لتطوير البلدة وإنمائها، حيث باشرنا بخطوات عملية شملت إنارة الشوارع، وتركيب كاميرات المراقبة، وتعزيز دور الشرطة البلدية، إضافة إلى إزالة التعديات، وتعبيد الحفر في الطرقات، والعمل على تجميل الأحياء وإبراز وجه الهلالية الحضاري.
ويشير: “إننا نؤكد لأهلنا الكرام أن ما تحقق حتى اليوم هو بداية الطريق، وأننا ماضون بعزمٍ ثابت وإرادة صلبة لتنفيذ كل ما وعدنا به، واضعين مصلحة البلدة وأهلها فوق كل اعتبار، ساعين إلى بناء مستقبل يليق بتاريخ الهلالية وتطلعات أبنائها. الهلالية تستحق، ونحن على العهد باقون.”
ويختم أبو زيد منوّهًا بجهود مهندس البلدية ومصمّم المشروع فهد ميرة، الذي يعمل بإخلاصٍ دؤوب من أجل رفعة البلدة وتنميتها، مشيدًا بالتعاون الوثيق بين المجلس البلدي وأبناء البلدة، الذين يعبّرون عن وعيٍ جماعيٍّ حيّ، وإحساسٍ عميقٍ بالمسؤولية، ليصوغوا معًا صورة بلدةٍ تكبر بمزيدٍ من الازدهار والتلاقي.
مصمم المشروع
بينما يوضح مهندس بلدية الهلالية ومصمم المشروع فهد أحمد ميرة أن تصميم دار البلدية يستند إلى لغة معمارية متجذّرة في التراث المحلي، تعكس ذاكرة المكان وتعزز الانتماء إليه. فقد جرى المزج بين البساطة الإنشائية ووضوح الكتلة واختيار المواد، ليعبّر المبنى عن الاستقرار المؤسسي واستمرارية الخدمة العامة. ويؤكد قناعته: “نبني لنستمر… ونستمر لنحمي الوطن”.
ويشير إلى أنه في زمن الأزمات، تتحول العمارة من مجرد وظيفة إلى رمزٍ للصمود، ويغدو بناء دار البلدية فعلًا إنمائيًا يؤكد أن الإدارة المحلية تبقى ركيزة أساسية في بناء الوطن. وانطلاقًا من مسؤوليته المهنية والوطنية، يأتي هذا المشروع استكمالًا لتجارب سابقة، ومنها مشروع القصر البلدي في حارة صيدا، ليجسّد مفهوم الإدارة القريبة من الناس، لا المنعزلة عنهم.
ويضيف المهندس ميرة: يقوم التصميم على الطابع اللبناني التقليدي المعاصر، من خلال استخدام الحجر الطبيعي بألوان محلية، واعتماد الأقواس والنوافذ المقوّسة كعنصر بصري مميز، وإبراز السقف المائل والتفاصيل المعمارية التقليدية. أما الكتلة المعمارية، فجاءت متماسكة ومتوازنة، تعكس هيبة المؤسسة واستقرارها، مع واجهات واضحة تسهّل قراءة المبنى وتعزز طابعه الرسمي، إلى جانب توزيع داخلي مدروس يسهّل الحركة ويرفع كفاءة العمل.
ويؤكد أن المشروع يرتكز على معايير حديثة في الاستدامة، حيث صُمم المبنى ليكون مرنًا وقادرًا على التكيّف مع متطلبات الطوارئ، مع توفير الإضاءة والتهوية الطبيعية لتحسين بيئة العمل. كما اعتُمدت حلول إنشائية تضمن المتانة ومقاومة الهزات والزلازل، بما يضمن استمرارية المرفق العام وسلامته على المدى الطويل.
ويولي التصميم أهمية خاصة للعلاقة مع الموقع، إذ يندمج المبنى بصريًا ووظيفيًا مع المساحات الخضراء المحيطة، من خلال توجيه الواجهات نحو الحديقة، وإنشاء ساحة أمامية للتجمعات الرسمية وخدمة المواطنين، ودمج مسارات المشاة، وخلق فضاءات متعددة الاستخدامات. وبذلك، تتحول دار البلدية إلى مركز إداري وثقافي وبيئي في آنٍ معًا، يعزز الحياة المدنية في البلدة.
ووفقًا للمهندس ميرة، يراعي المشروع معايير الوصول الشامل، عبر تأمين مداخل ومنحدرات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة، ومصعد يخدم جميع الطوابق، ومسارات آمنة وواضحة، وتجهيزات صحية ملائمة، بما يعكس التزام البلدية بمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة في تقديم الخدمات.
ويؤكد أن هذا المشروع ليس مجرد مبنى إداري، بل فضاء جامع يعزز الشفافية ويشجع المشاركة المجتمعية، ويحافظ على الهوية العمرانية والطبيعية للهلالية. وهو، في جوهره، بيتٌ عام يحمل هوية لبنانية، ووظيفة إنسانية، ورسالة تنموية مستدامة.
ويختم المهندس ميرة: “إنني أهدي هذا النتاج لجميع الأهل والأصدقاء من أبناء البلدة، وأشكر كل من ساهم وسهّل لهذا العمل، مع أغلى الأمنيات بأن يتم إنجاز هذا المرفق بأسرع وقت ممكن ووفقًا لأعلى المواصفات، لأن دار البلدية المقترحة هي بيتٌ عام، بهوية لبنانية، ووظيفة إنسانية، ورسالة تنموية مستدامة.”
مختار البلدة
من جهته، يشير مختار بلدة الهلالية ناجي مخول إلى أن مسيرة الإنجازات في البلدة مستمرة بفضل التعاون بين البلدية وأبنائها. ورغم المحاولات السابقة لإنشاء قصر بلدي، حالت الظروف دون تحقيق هذا المشروع، إلى أن أعاد المجلس البلدي الحالي برئاسة ميشال أبو زيد إطلاقه، واضعًا إيّاه على سكة التنفيذ.
ويتابع: وقد أُوكلت مهمة التصميم والإشراف إلى المهندس فهد ميرة، الذي أنجز الخرائط بسرعة قياسية، واستحصل على التراخيص اللازمة، بما فيها رخصة المباشرة في البناء، في خطوة تعكس جدية العمل وتسارع وتيرته. اليوم، يقف أبناء الهلالية أمام مرحلة مفصلية، يترقبون اكتمال هذا الصرح الذي طال انتظاره. فهل تشهد الأيام القريبة افتتاح دار البلدية؟
سؤالٌ مشروع، وإجابته رهن بترجمة هذا الجهد إلى واقعٍ مكتمل، يليق ببلدةٍ تؤمن أن العمل البلدي ليس إدارةً فحسب، بل التزامٌ يومي بخدمة الناس وصون كرامتهم.

