لم تعد أزمة معمل معالجة النفايات في صيدا مجرّد خلل تقني أو إداري، بل انكشفت بكل وضوح كصراع مالي تُدفع كلفته من صحة الناس وكرامتهم وحقهم في بيئة سليمة.
فقرار إقفال المعمل أياً تكن مبرراته، لا يمكن قراءته إلا بوصفه خطوة ضغط في نزاع مالي مفتوح، تحوّل فيه مرفق عام حيوي إلى أداة تفاوض لفرض تحصيل كامل المستحقات، في وقت لا يزال فيه هذا الملف موضع تدقيق ونقاش حول مدى أحقية هذه المستحقات أساساً.
ما جرى ليس تفصيلاً عابراً، بل وُضعت مدينة بأكملها أمام احتمال الغرق في نفاياتها، لا بسبب عجز في الحلول، بل نتيجة تداخل المسؤوليات وغياب القرار الحاسم، وترك الأمور رهينة شدّ الحبال بين شركة مشغّلة، واتحاد بلديات معني مباشرة بإدارة هذا الملف، ودولة متعثرة في إدارة مستحقاتها وملفاتها العالقة.
غير أن الأخطر من الإقفال نفسه هو ما سبقه وما رافقه. فالنقاش الدائر منذ سنوات حول أداء المعمل وفعاليته لم يُحسم يوماً بشكل واضح أمام الرأي العام.
هل كان المعمل يقوم فعلياً بعمليات المعالجة كما يجب؟
أم تحوّل تدريجياً إلى مركز لتجميع النفايات وتكديسها؟
أين ذهبت العائدات؟
ولماذا بقي هذا الملف رغم تضخّمه، خارج دائرة المحاسبة الجدية؟
اليوم ومع انفجار الأزمة، لم يعد ممكناً الاكتفاء بإدارة التداعيات. فالمطلوب ليس فقط إعادة فتح أبواب المعمل، بل إعادة فتح الملف بأكمله، بشفافية كاملة.
إن جوهر المشكلة لم يعد بيئياً فحسب، بل سياسي_مالي بامتياز.
فلا يجوز تحت أي ذريعة ربط استمرارية مرفق عام حيوي بخلاف مالي، لأن ذلك يعني ببساطة تحويل المدينة إلى رهينة.
كما لا يمكن تجاهل دور اتحاد البلديات، المعني بإيجاد حلول مستدامة، وفي مقدمتها تأمين مطمر صحي، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم، في وقت تُطرح فيه حلول مؤقتة تقوم على نقل النفايات أو تكديسها داخل صيدا، دون مقاربة عادلة لتوزيع المسؤوليات أو تحمّل الأعباء.
من هنا يصبح موقف البلدية مفصلياً. لا يكفي إصدار بيانات أو عقد اجتماعات طارئة، بل المطلوب انتقال فعلي إلى مستوى القرار.
قرار جريء يضع مصلحة صيدا وأهلها فوق أي حسابات أو ضغوط.
أولاً: تثبيت مبدأ أن استمرارية هذا المرفق الحيوي خط أحمر، وأن أي تعطيل له يُعد إخلالاً لا يمكن التساهل معه، أياً يكن الطرف المسؤول.
ثانياً: فتح تحقيق شفاف وشامل في أداء المعمل منذ سنوات، ونشر نتائجه للرأي العام دون مواربة.
ثالثاً: تحميل جميع الأطراف، بما فيها اتحاد البلديات مسؤولياتها الكاملة، خصوصاً في ما يتعلق بإيجاد حلول مستدامة وعدم ترك المدينة تواجه مصيرها منفردة.
رابعاً: الشروع فوراً في إعداد خطة بديلة، لا كإجراء طارئ فقط، بل كخيار استراتيجي يضع حداً لأي احتكار أو ابتزاز مستقبلي.
خامساً: الفصل الكامل بين المسار المالي والمسار التشغيلي، بحيث تُناقش المستحقات ضمن الأطر القانونية، دون أن يكون ذلك على حساب استقبال النفايات ومعالجتها.
إن صيدا اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تبقى أسيرة حلول مؤقتة وتسويات ملتبسة، أو أن تتحلّى بلديتها بالجرأة الكافية لفرض معادلة جديدة عنوانها الشفافية والمحاسبة وتعدد الخيارات.
المدينة التي احتضنت أزمات أكبر، لا يجوز أن تُهزم أمام نفايات كان يمكن إدارتها بقرار واضح. وأهلها الذين يدفعون يومياً ثمن الإهمال، آن الأوان أن تُصان حقوقهم في بيئة سليمة، وأن تُدار شؤون مدينتهم بقرارات شجاعة لا تساوم على صحتهم ولا تخضع لأي ابتزاز.
فالمسألة لم تعد تحتمل التسويات، بل تتطلب موقفاً حاسماً وإرادة واضحة تعيد للمدينة حقها في إدارة نظيفة، وقراراً حراً يليق بصيدا وأهلها.