كتب المهندس محمد دندشلي:
على ضفة نهر الأولي، حيث تنساب المياه بهدوء تحت ظلال أشجار الكينا المعمّرة، تختبئ «الكنايات» كواحدة من أجمل المساحات التي وهبتها الطبيعة لصيدا واحتفظت بها ذاكرة أهلها. مكان عبرت به أجيال، وبقيت أشجاره شاهدة على زمن طويل، حتى بدا في تلك الليلة وكأنه يستيقظ من غياب امتد عشرات السنين.
للمرة الأولى منذ زمن بعيد، امتلأ المكان من جديد بالناس والموسيقى والحياة. بين الأشجار القديمة وعلى وقع جريان النهر، عاد إلى «الكنايات» حضورها، وإلى الصيداويين شيء من ذاكرتهم.
يقع جزء من المكان ضمن أملاك خاصة تعود لجمعية محمد زيدان للإنماء، راعية الحدث بامتياز ، وقد أثبتت التجربة أن المبادرة وحسن توظيف المكان قادران على إعادة الحياة إلى مساحة ظلت طويلاً خارج المشهد العام.
لكن الأهم من نجاح الحفل هو ما كشفه هذا النجاح.
فالكنايات لم تُخلق لهذه المناسبة، والنهر لم يبدأ بالجريان ليلة الحفل، وأشجار الكينا لم تُزرع لاستقبال الجمهور. كل ذلك كان هنا منذ زمن، ينتظر فقط من يراه بطريقة مختلفة.
وهنا تكمن الرسالة الأبعد:
صيدا لا ينقصها المكان… بل الرؤية.
في مدينتنا أماكن كثيرة تحمل تاريخها وشخصيتها وحضورها: البحر والنهر، القلاع والخانات، الأسواق والساحات، البساتين والممرات القديمة. بعضها معروف وبعضها منسي، وبعضها نمرّ بجانبه كل يوم من دون أن ندرك ما يمكن أن يصبح عليه.
وهي لا تحتاج دائماً إلى مشاريع ضخمة أو إنفاق هائل، بل إلى من يقرأ قيمتها، ويحترم روحها، ويمنحها وظيفة تعيدها إلى الناس.
ما نجح في الكنايات يمكن أن يصبح فكرة لمدينة كاملة: أن نعيد اكتشاف أمكنتنا، واحدة بعد أخرى، ونحوّلها إلى فضاءات للثقافة والفن واللقاء والسياحة والحياة.
وصيدا لا ينقصها التاريخ، ولا الجمال، ولا المكان…
ينقصها أن نرى ما نملك، وأن تتوافر الرؤية والإرادة على التغيير ،وأصحاب النوايا الحسنة.
ولعل أجمل ما قالته ليلة الكنايات، من دون كلمات، هو أن المكان كان ينتظرنا…
وربما هناك في صيدا أماكن كثيرة ما زالت تنتظر.

