كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي: 

من المسؤول عن هذه المشاهد؟

لننظر إلى هذه الصور جيداً قبل أن نبحث عن الجواب. فهذه الفوضى لم تصنعها البلدية وحدها، ولم يصنعها المواطن وحده. إنها نتيجة علاقة مختلة بين إدارة لم تستطع أن تفرض القانون، ومجتمع اعتاد أن يتعامل مع القانون على أنه قابل للتفاوض  والمساومة.

منذ أيام، تتكرر على وسائل التواصل الاجتماعي انتقادات تحمّل البلدية مسؤولية كل ما تعانيه المدينة من فوضى وتراجع، وكأن البلدية هي التي تحتل الأرصفة، وترمي النفايات في الشوارع، وتعتدي على الأملاك العامة، وتحول الطرق إلى مواقف خاصة.

لا أحد ينكر أن البلدية مسؤولة عن التنظيم، وعن تطبيق القانون، وعن معالجة التقصير حيث وجد. وهذا واجبها الذي انتخبت لاجله وستحاسب عليه.

لكن هناك سؤالاً لا يطرحه أحد:
من يحاسب المواطن عندما يكون هو من يخالف القانون؟

هل البلدية هي التي بنت المخالفات؟
هل البلدية هي التي احتلت الأرصفة؟
هل البلدية هي التي رمت النفايات خارج الحاويات؟
هل البلدية هي التي حولت الملك العام إلى أملاك خاصة؟

إن المسؤول الأول عن الفوضى هو من يصنعها، والمسؤول الثاني هو من يتهاون في ردعها.
لكن من المؤسف ان يكون قد اختلط علينا مفهوم المواطنة!

فالمواطنة ليست قائمة مطالب لا تنتهي، بل هي عقد متبادل بين الفرد والمجتمع؛ وحقوق تقابلها واجبات، وحريات يحدها احترام حقوق الآخرين.

ولا يحق لأحد أن يطالب بمدينة نظيفة وهو يرمي نفاياته في الشارع. او  ينقلها من أمامه بعيدا عند جاره .
ولا أن يطالب بأرصفة للمشاة وهو يحتلها.
ولا أن يطالب بتطبيق القانون وهو يرفض تطبيقه عندما تمس المخالفة مصلحته.

إن احترام النظام العام ليس خدمة تقدمها البلدية للمواطن، بل هو واجب يلتزم به المواطن قبل أي شيء آخر.

فالبلدية لا تستطيع أن تزرع ثقافة احترام القانون إذا كان المجتمع يبرر مخالفته، ولا أن تحمي الحق العام إذا أصبح المعتدي عليه يحظى بالتأييد والغطاء والحماية، والمطبق للقانون يتعرض للهجوم.

إن صيدا لن تتغير بتغيير مجلس بلدي فقط، بل عندما نقتنع جميعاً بأن المدينة ليست ملكاً لأحد، وأن الحق العام ليس مالاً مباحاً، وأن القانون لا يفقد قيمته لأنه لا يتوافق مع مصالحنا.

عندما نحاسب البلدية على تقصيرها، ونحاسب أنفسنا على مخالفاتنا، عندها فقط نكون قد بدأنا الطريق الصحيح نحو مدينة نستحقها ونصونها للأجيال القادمة.

إن المجلس البلدي، وهو يحترم حق المواطنين في النقد، يؤكد في المقابل أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة فرض القانون على الجميع دون استثناء، لأن حماية الحق العام ليست خياراً، بل واجب لا يمكن التهاون فيه

واخيرا 
أعتقد أن جوهر المشكلة يمكن تلخيصه في معادلة بسيطة:

كلما ضعفت هيبة القانون، (والأسباب معروفة) تحولت المصلحة الخاصة إلى نقيض ومنافس للمصلحة العامة .

البلدية ليست مؤسسة خدمية بالمعنى الضيق، بل هي سلطة محلية أنشأها القانون لتنظيم شؤون المدينة، وحماية المصلحة العامة، وتأمين الخدمات الأساسية، بالتعاون مع المواطنين واحترامهم للقانون

لقد اختصر القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى وعلى كافة المستويات :
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾