ليس من الإنصاف أن نصف مهرجان صيداويات 2026 بالفشل بعد يومين فقط من انطلاقه، فالمهرجان لا يزال مستمراً وبرنامجه يمتد حتى السادس من أيلول، كما أن الجهد المبذول في التحضير والتنظيم واضح، من تجهيز المكان إلى الفعاليات التي أُعدّت لاستقبال أبناء المدينة وزوارها.
لكن في المقابل لا يمكن تجاهل المشهد الذي رافق اليومين الأولين، حيث بدا الحضور أقل بكثير مما كان متوقعاً لمهرجان بهذا الحجم، وما يثير الانتباه أكثر أن عدداً من أبناء صيدا أنفسهم لم يكونوا على علم بإقامته.
وهنا لا بد من التوقف عند السؤال:
أين كانت المشكلة؟
هل كان الإعلان عن المهرجان كافياً وهل وصل إلى الناس بالوقت والطريقة اللذين يسمحان لهم بالتخطيط للحضور؟
فالمهرجانات لا تبدأ يوم افتتاحها وإنما تبدأ قبل ذلك بوقت.
حين يعرف الناس بها وينتظرونها ويقررون المشاركة فيها.
وعندما نقارن بما يحصل في جزين ودير القمر وحمّانا وغيرها من المناطق اللبنانية، نلاحظ أن المهرجانات تتحول إلى مواعيد ينتظرها الناس ويعرفون برنامجها مسبقاً، وقد يخططون للذهاب إليها من مناطق بعيدة.
ونحن كأبناء صيدا لطالما فعلنا الأمر نفسه، فلماذا لا نستطيع أن نجعل أبناء المناطق الأخرى يقصدون صيدا لحضور مهرجاناتها؟
صيدا تملك ما يكفي لتكون وجهة للمهرجانات، من البحر والمرفأ والقلعة والأسواق والمدينة القديمة، لكن امتلاك هذه المقومات لا يكفي إذا لم تصل الفعالية إلى الجمهور الذي يفترض أن تستقطبه.
حتى موقع المهرجان رغم جماله وتميزه، يستحق أن يُنظر إليه من ناحية الوصول إليه.
فهل هو سهل للجميع؟
ماذا عن كبار السن والعائلات؟
وماذا عن الزائر القادم من خارج صيدا ولا يعرف تفاصيل المنطقة؟
وهل هناك ما يكفي من التسهيلات والإرشادات والمواقف التي تجعل الوصول إلى المكان أمراً سهلاً؟
هذه التفاصيل قد تبدو ثانوية لكنها في أي مهرجان يريد استقطاب جمهور واسع تصبح جزءاً من نجاحه.
وهناك جانب آخر لا يمكن تجاهله وهو أن المهرجان يفترض أن يحرك الحركة التجارية في المدينة.
أصحاب المطاعم والستاندات والمشاركون في منطقة المأكولات يدخلون هذه الفعاليات على أساس وجود جمهور وحركة بيع.
فإذا بقي الإقبال محدوداً فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالحضور فقط، بل بمدى تحقيق المهرجان للهدف الاقتصادي الذي يفترض أن يرافقه.
وعندما تكون هناك كلفة كبيرة وجهد كبير وتجهيزات واسعة، يصبح ضعف الإقبال أكثر من مجرد ملاحظة عابرة.
المال العام يجب أن يُنفق بطريقة تحقق الغاية المرجوة منه، ولذلك فإن أي فعالية لا تصل إلى جمهورها بالشكل المطلوب تستحق التقييم والمراجعة، ليس للبحث عن مذنب وإنما لمعرفة أين كان الخلل وكيف يمكن عدم تكراره.
صيداويات لم ينتهِ بعد وهذه نقطة يجب أن نتمسك بها.
فما زالت هناك أيام يمكن خلالها تدارك ما ظهر في البداية وتعزيز الحضور وإعادة تنشيط الدعوة إلى الفعاليات، والوصول إلى جمهور أوسع بدل انتظار انتهاء المهرجان ثم اكتشاف أن الفرصة ضاعت.
من جهة أخرى، يطرح إلغاء الفعالية التي كانت مقررة اليوم بمشاركة فرقة موسيقى الجيش اللبناني سؤالاً آخر، خصوصاً أن الإعلان عن إلغائها أشار إلى أن السبب هو الأحوال الجوية.
فهل كان الطقس وحده هو السبب أم أن ضعف الإقبال الذي ظهر في الأيام الأولى للمهرجان كان له أي دور في هذا القرار؟
سؤال يستحق التوضيح، لا من باب إطلاق الاتهامات وإنما لأن الصورة الكاملة لما يجري تحتاج إلى أن تكون واضحة أمام الرأي العام.
السؤال اليوم ليس: هل فشل "صيداويات"؟
بل: هل ما زال بإمكاننا إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
وإذا كان هناك خلل ظهر في الأيام الأولى، فهذه هي اللحظة المناسبة لمعالجته لا بعد انتهاء المهرجان.
لأن المهرجان عندما يحمل اسم صيدا لا يعود نجاحه محسوباً على شخص أو لجنة، كما أن تعثره لا يبقى محصوراً بالجهة المنظمة.
نجاح صيداويات هو نجاح لصيدا، وأي تعثر فيه سينعكس في النهاية على صورة المدينة.
من هنا المطلوب اليوم ليس إطلاق الأحكام بل التوقف وقراءة ما حدث، واتخاذ ما يلزم قبل أن ينتهي الوقت.
فهل نستطيع أن ننقذ صيداويات في الأيام المقبلة، أم أننا سننتظر حتى ينتهي المهرجان لنبدأ بتقييم ما كان يمكن تداركه؟