في مدينة لطالما قدّمت نموذجاً للصمود والحياة، بات الحصول على المياه أشبه بامتياز لا بحق بديهي.
صيدا اليوم لا تعاني أزمة تقنية عابرة، بل تعيش حالة استنزاف يومي تثقل الناس وتدفعهم إلى الشعور بأنهم متروكون لمصيرهم، في ظل صمت رسمي لا يوازي حجم المعاناة.
أسبوعان تقريباً مرّا على انقطاع المياه أو ضعف ضخّها عن أحياء واسعة من المدينة، فيما الأهالي يتنقّلون بين الوعود والتبريرات، وبين انتظار ساعات ضخ محدودة لا تكفي لسد أبسط الحاجات.
ومع كل بيان أو توضيح، يبقى السؤال نفسه يتكرّر: لماذا أصبحت أزمة المياه في صيدا حدثاً موسمياً دائماً لا يجد طريقه إلى الحل؟
المؤلم في القضية ليس فقط انقطاع المياه، بل شعور الناس بأن معاناتهم لا تُعامل كأولوية.
فالمواطن الذي يلتزم بدفع الرسوم والاشتراكات، من حقّه الطبيعي أن يحصل على خدمة أساسية تحفظ كرامته، لا أن يتحوّل إلى رهينة الأعطال المتكررة والتبريرات الجاهزة. فالمدينة التي تُدفع فيها الفواتير بانتظام، لا يجوز أن تُترك لتعيش على وقع الصهاريج والانتظار والاتصالات السياسية.
وما يزيد الغضب الشعبي أن أي تحرّك لا يبدو فعّالاً إلا بعد تصاعد الضجيج على مواقع التواصل أو بعد تدخلات سياسية واتصالات عاجلة، وكأن حقوق الناس لا تُنتزع إلا بالصراخ.
أما البيانات الرسمية التي تتحدث عن أعمال صيانة أو تمديد خطوط جديدة، فرغم أهميتها، فإنها لم تعد كافية لإقناع الناس الذين يريدون حلولاً فعلية تضمن استقرار التغذية بالمياه، لا وعوداً مؤقتة تنتهي بعد ساعات قليلة.
صيدا اليوم لا تحتاج إلى بيانات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى إدارة أزمة حقيقية، وخطة واضحة تحترم المواطنين وعقولهم. فالناس لا تعترض على مشاريع التطوير أو أعمال التوسعة، لكنها ترفض أن تتحوّل هذه الأعمال إلى ذريعة دائمة لمعاقبة مدينة كاملة بالعطش، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة والظروف الاقتصادية القاسية التي تجعل شراء المياه عبئاً إضافياً على العائلات.
الأخطر من كل ذلك أن الإحباط بات يتسلّل إلى نفوس أبناء المدينة.
حين يصل المواطن إلى مرحلة يعتبر فيها الهجرة خلاصاً من أبسط مقومات الحياة، فهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر خطير على حجم الفشل في إدارة الخدمات الأساسية.
فالأوطان لا تُخسر بالحروب فقط، بل تُخسر أيضاً حين يشعر الناس أن كرامتهم وحقوقهم لم تعد أولوية.
صيدا لا تطلب المستحيل.
لا تطلب ترفاً ولا خدمات استثنائية.
كل ما يريده أهلها أن تصل المياه إلى منازلهم من دون انتظار، ومن دون وساطات، ومن دون بيانات تبريرية تتكرر كل صيف. فالماء ليس مِنّة من أحد، بل حق لا يجوز أن يبقى رهينة الإهمال والتأخير والصمت.
06/09/2026 \n

