لم يكن المشهد جديدًا على الجنوبيين، لكنه كان هذه المرّة أكثر قسوة. غارات إسرائيلية متلاحقة، وإنذارات إخلاء طالت أكثر من 53 بلدة وقرية جنوبية، دفعت مئات العائلات إلى النزوح على عجل، تاركة وراءها منازل أُقفلت بارتباك، وذكريات معلّقة على جدران الخوف.
تقلّب الحاجة "أم علي" حمود كفّيها وتكفكف دموعها، بعدما اضطرّت إلى مغادرة بلدتها تول في قضاء النبطية متجهةً إلى مدينة صيدا مع أفراد عائلتها كافة. تقول لـ "نداء الوطن": "أغارت الطائرات الحربية على البلدة قرب منزلنا وسقط ضحايا، فقرّرنا النزوح فورًا، بلا تردّد". كان القرار سريعًا، لكن وطأته ثقيلة؛ فالخروج هذه المرّة لم يكن مجرّد انتقال جغرافي، بل كان اقتلاعًا جديدًا من حياة لم تكد تستقرّ.
في المدرسة نفسها – الإصلاح المختلطة الرسمية في صيدا- التي لجأت إليها خلال عدوان 2006، ثمّ في حرب إسناد غزة عام 2023، وجدت الحاجة "أم علي" نفسها للمرّة الثالثة تفترش الصفوف ذاتها. تتكرّر الحكاية، وتتبدّل التواريخ، فيما الوجع واحد. تتنهّد برجاء: "نأمل أن تكون رحلة النزوح هذه الأخيرة… لقد ذقنا الويل ومرارة الموت، ولم نعد قادرين على الاحتمال أكثر".
والحاجة "أم علي" واحدة من مئات العائلات التي دفعتها الإنذارات الإسرائيلية إلى مغادرة قراها. لم يكن النزوح استجابة عابرة لتحذير، بل انعكاسًا لذاكرة مثقلة بالحروب والاعتداءات. الخوف من تكرار مشاهد الدمار، التي حفرت في الوعي الجمعي، كان أقوى من التمسّك بالجدران.
على الطرقات، امتدّ النزوح من ساعات الليل إلى النهار. سيارات محمّلة بالعائلات، وأخرى مكتظة بالحقائب وبعض الأمتعة الضرورية، اصطفت على المسربين معًا، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الحروب السابقة. كانت المركبات تسابق الزمن نحو صيدا وبيروت، فيما أعصاب السائقين تحترق وسط ازدحام خانق، واتصالات متواصلة للاطمئنان إلى أهل وأقارب بقوا خلفهم.
في إحدى زوايا المدرسة، جلس الحاج أبو محمد حسين يتأمّل المشهد بعينين متعبتين. حمل أدويته في كيس نايلون وغادر على عجل مع عائلته. يقول: "إسرائيل عدو غادر لا يؤمَن جانبُه. اعتادت ارتكاب المجازر والاعتداءات، ولا تكترث لقوانين دولية أو معايير إنسانية. فضلت النزوح موقتًا، أو حتى إشعار آخر". كلامه يختصر قناعة راسخة لدى كثيرين: الوقاية اليوم، مهما كانت موجعة، أهون من مغامرة غير محسوبة.
على وقع موجة النزوح، باشرت بلدية صيدا، بالتنسيق مع محافظ الجنوب منصور ضو وتجمّع المؤسسات الأهلية، تنفيذ خطة طوارئ لاستيعاب الوافدين. فُتحت ثماني مدارس رسميّة كمراكز إيواء موقتة، هي: متوسطة الشهيد معروف سعد، ثانوية حكمت الصباغ، مدرسة الإصلاح الثانية، مدرسة أنجيليك صليبا، المدرسة الكويتية، مدرسة القناية الرسمية، مدرسة نزيه البزري ومهنية صيدا، وجرى العمل على تأمين الاحتياجات الأساسية من فرش ومواد غذائية ومياه، في محاولة لضمان الحدّ الأدنى من الكرامة والاستقرار داخل مراكز الإيواء.
وأوضحت بلدية صيدا – غرفة إدارة العمليات والكوارث، أنها استنفرت منذ اللحظات الأولى جميع فرقها ولجنة إدارة الأزمات، لضمان أعلى درجات الجهوزية. وأشرفت، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على تجهيز المراكز الثمانية التي استقبلت حتى الآن أكثر من ألفي نازح، مع استمرار العمل لاستكمال أي نواقص بشكل دوري.
هلع في الأسواق
ولم يقتصر الإرباك على حركة النزوح، بل انسحب إلى الأسواق ومحطات الوقود. تهافت المواطنون على تعبئة البنزين وشراء المواد الغذائية والأدوية، في مشهد يعكس قلقًا عامًا من تطوّرات غير محسوبة. حاولت البلدية تهدئة المخاوف، مؤكدة توافر المواد الغذائية والمحروقات بكميات كافية في المستودعات والمحطات، بعد تنسيق مباشر مع الإدارات الرسميّة والقطاعات التجارية، وضمان وجود مخزون استراتيجي.
ودعت المواطنين إلى عدم تخزين السلع أو التهافت على الشراء تفاديًا للازدحام غير المبرر، مشدّدة على انتظام الإمدادات وعدم وجود ما يدعو إلى القلق. كما أكدت أنها في حالة انعقاد دائم لمتابعة المستجدّات الميدانية والإغاثية، وستصدر بيانات دورية لضمان الشفافية وإطلاع المواطنين على كلّ جديد، داعية إلى الاعتماد حصرًا على المصادر الرسميّة.
بين غارة وإنذار، تتجدّد فصول النزوح في الجنوب. طرقات مزدحمة، مدارس تتحوّل إلى ملاجئ، وذاكرة لا تزال تحتفظ بندوب الحروب السابقة. وحدها الأمنية تتكرّر على ألسنة النازحين: أن تكون هذه الرحلة الأخيرة، وأن تعود القرى إلى هدوئها، بلا إنذارات ولا حقائب معبّأة على عجل.

