يشهد السوق التجاري في مدينة صيدا حراكاً لافتاً حول مشروع إعادة تأهيل طرقاته وتبليطها، في ظل تعدّد المبادرات والجهات الراغبة في المساهمة في هذا المشروع، في مشهد يمكن وصفه بسباق التبليط الإيجابي، حيث يسعى كل طرف إلى ترك بصمته في المدينة وذاكرة أهلها.
في هذا الإطار يبرز اهتمام بلدية صيدا وجمعية تجار صيدا وضواحيها بهذا الملف، إلى جانب مبادرات فردية ومؤسساتية تسعى إلى إعادة الاعتبار إلى السوق وتحسين واقعه التجاري والعمراني.
ولعلّ أجمل ما في هذا الحراك أنه يصب في نهاية المطاف، في مصلحة المدينة وتجارها وروّاد سوقها التجاري، الذين ينتظرون منذ سنوات معالجة واقع الطرقات المتردّي، بما ينعكس إيجاباً على الحركة التجارية والحياة اليومية في السوق.
لكن بين الرغبة في ترك البصمة وضمان استدامتها، تكمن المسؤولية الحقيقية.
فالمطلوب ليس مجرد إعادة تبليط الطرقات، بل إنجاز مشروع متكامل يراعي طبيعة السوق وحركة المركبات فيه، ويضمن الاستفادة من الأموال والجهود المبذولة على المدى الطويل.
فالتجربة السابقة أظهرت أن البلاط المستخدم بسماكة خمسة سنتيمترات لم يكن ملائماً لطبيعة الاستخدام الفعلي للطرقات، خصوصاً مع دخول السيارات وصعوبة ضبط حركة الشاحنات المحمّلة بالبضائع، وما تفرضه من أحمال وضغوط متكررة على الأرضيات.
من هنا يأتي تمسّك بلدية صيدا بالمواصفات الفنية المطروحة للمشروع، ولا سيما اعتماد بلاط البازلت بسماكة 15 سنتيمتراً بدلاً من السماكة السابقة، بهدف تعزيز قدرة الطرقات على تحمّل الأحمال المتوقعة، مع مراعاة متطلبات التأسيس الهندسي وتصريف مياه الأمطار وجودة التنفيذ.
وكانت البلدية قد اتجهت إلى خيار تزفيت طرقات السوق لمعالجة واقعها المتردّي، قبل أن تعيد المبادرات المطروحة لإعادة التبليط النقاش حول الخيار الأنسب، في ظل الحرص على التوفيق بين متطلبات التأهيل وطبيعة السوق واحتياجاته.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الاستفادة من هذا الحراك لإنجاز مشروع يجمع بين الكلفة المناسبة والجودة المطلوبة، ويشكّل حلاً طويل الأمد لمشكلة الطرقات؟
فنجاح المشروع لا يُقاس بحجم الأعمال المنجزة أو بالجهة التي تتولّى تمويله، بل بقدرته على تلبية حاجات السوق وتحمّل الاستخدام اليومي، بما يخفّف الحاجة إلى أعمال الصيانة المتكررة.
وإذا كان التنافس على خدمة صيدا أمراً محموداً، فإن الأجدى أن يتحوّل إلى نموذج للتكامل والتعاون بين جميع الأطراف، بحيث تتضافر المبادرات والجهود ضمن رؤية موحّدة، وتبقى البلدية المرجعية الفنية والتنظيمية المشرفة على تنفيذ المشروع.
فليتنافس الجميع على خدمة صيدا، وليترك كل منهم بصمته في شوارعها وقلوب أهلها، ولكن الأهم أن تكون بصمة تصمد أمام الزمن، وتلبّي احتياجات السوق وتطلّعات أبنائه.
في النهاية لا يهم تجار السوق وأهالي صيدا مَن سيتولّى التبليط، بقدر ما يهمّهم أن تنتهي معاناتهم مع الطرقات المتضرّرة، وأن يُنجز المشروع بما يليق بالمدينة ومكانة سوقها التجاري.
فصيدا لا تحتاج إلى مجرد بلاط جديد، بل إلى نهج يجعل من كل مبادرة فرصة حقيقية لإنجاز مشروع متقن ومستدام، تبقى آثاره الإيجابية لسنوات طويلة.
10/30/2026 \n

