كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
مرّ قرابة شهر على قرار مجلس الوزراء المتعلق بمعمل معالجة النفايات في صيدا، والذي تضمّن تشكيل لجنة رقابية ومباشرة العمل على تنظيم العلاقة التعاقدية مع الشركة المشغّلة، تحت إشراف عدد من الوزارات والجهات الرسمية المعنية.
يومها قيل إن القرار يشكل مخرجًا للأزمة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة والمحاسبة وتصويب الخلل المتراكم منذ سنوات.
لكن بعد شهر كامل، يبدو أن ما تحقق فعليًا هو أمر واحد فقط: ازدياد عدد الأسئلة المعلقة.
فحتى اللحظة، لا يزال الرأي العام، و المجلس البلدي، و أبناء المدينة، يفتقدون إلى أجوبة واضحة حول أبسط المسائل القانونية والإدارية المرتبطة بمستقبل هذا الملف.
السؤال الأول والأكثر إلحاحًا:
من سيوقع العقد الجديد؟
هل ستوقعه بلدية صيدا باعتبارها الجهة التي أبرمت العقد الأساسي، وصاحبة الموقع، والمتضرر الأول من نتائج التشغيل؟
أم سيوقعه اتحاد بلديات صيدا – الزهراني؟
أم سيصبح الطرفان معًا جزءًا من العلاقة التعاقدية الجديدة؟
وإذا أصبح الاتحاد طرفًا أساسيًا، فما هو الأساس القانوني الذي يمنحه هذه الصفة؟
وإذا كان الطرفان معًا، فمن يملك صلاحية الرقابة؟
من يوجه الإنذارات؟
من يمثل الجهة العامة أمام القضاء؟
ومن يتحمل المسؤولية عند الإخلال؟
حتى الآن، لا جواب واضح.
أما السؤال الثاني، فيتعلق بمسار التعاقد نفسه.
فإذا كانت الحكومة تتحدث عن عقد جديد أو عن تعديلات جوهرية على العلاقة القائمة مع الشركة، فكيف سيتم ذلك في ظل قانون الشراء العام؟
هل نحن أمام مناقصة جديدة؟
أم أمام تعديل للعقد القائم؟
وأين يقع الحد الفاصل بين التعديل المشروع وبين الالتفاف على مبدأ المنافسة والشفافية وهيئة الشراء العام.؟
المعلومات المتداولة تشير إلى أن النقاش الجاري يتناول تعديل الأسعار، وتحديد الكميات الفعلية التي تتم معالجتها، وتعزيز الرقابة، وفرض بنود جزائية ومؤشرات أداء أكثر وضوحًا.
وهنا تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها.
فإذا كانت هذه العناصر كلها تحتاج إلى تعديل اليوم، فهذا يعني ضمنًا أن هناك خللًا كان قائمًا بالأمس.
وإذا كانت الكميات غير مضبوطة، والرقابة غير كافية، والعقوبات غير فعالة، والأسعار بحاجة إلى مراجعة، فمن حق الناس أن تسأل:
كيف كانت الأمور تُدار طوال السنوات الماضية؟
ومن كان يراقب؟
ومن كان يتحقق من حسن التنفيذ؟
ومن يتحمل مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة؟
ومن استفاد من استمرار هذا الواقع؟
والأخطر من ذلك أن النقاش الدائر اليوم يتركز على مستقبل العقد، فيما لا نسمع حتى الآن عن أي تدقيق مالي أو فني مستقل يكشف للرأي العام حقيقة ما يجري وما جرى سابقًا.
وكأن المطلوب طي الصفحة والانتقال مباشرة إلى الصفحة التالية.
وكأن الأزمة كانت مجرد خلاف على سعر الطن أو آلية الدفع.
بينما الحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة ثقة، وأزمة إدارة، وأزمة شفافية، وأزمة مرجعية، قبل أن تكون أزمة تشغيل أو تمويل.
لقد مرّ شهر على القرار الحكومي، ومع ذلك ما زالت المرجعيات غير واضحة، والصلاحيات غير محددة، والعقد الجديد غير معروف المعالم، والرقابة الفعلية غير مرئية للرأي العام.
وهذا بحد ذاته يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل نحن أمام مسار إصلاحي حقيقي يعالج أسباب الأزمة ويصحح الخلل المتراكم؟
أم أننا أمام إعادة تنظيم للعلاقة نفسها التي أوصلت الملف إلى وضعه الحالي؟
لكن وسط كل هذه الأسئلة الموجهة إلى الحكومة والشركة والجهات المعنية، يبقى هناك سؤال لا يجوز أن نهرب منه نحن أيضًا كمجلس بلدي وكقوى سياسية ومدنية في المدينة:
هل نريد فعلاً حماية صيدا من أي ارتكابات أو تجاوزات أو أضرار ناتجة عن تشغيل المعمل؟
وهل نملك الإرادة الحقيقية لفعل ذلك؟
وهل نملك القرار؟
وهل نحن مستعدون لمواجهة أي خلل أو مخالفة إذا ثبت وجودها، مهما كانت الجهة المستفيدة أو الحامية لها؟
لأن القضية في جوهرها ليست قضية عقد فقط، بل قضية إرادة وقدرة على حماية المدينة والدفاع عن حق أهلها في بيئة سليمة وإدارة شفافة.
ومن واجبنا أن نصارح الناس بالحقيقة.
فإذا كنا نطالب اليوم بالمحاسبة والشفافية، فعلينا أولًا أن نلتزم بهما نحن أنفسنا.
أما إذا اكتفينا بإدارة الملف بالطريقة ذاتها التي أُدير بها في السابق، فإننا لن نكون قد غيّرنا شيئًا، بل سنصبح مجرد نسخة جديدة عن المجالس التي السابقة.
ولهذا فإن معركة صيدا الحقيقية ليست فقط حول من يوقّع العقد أو من يملك الصلاحية، بل حول ما إذا كانت المدينة قررت أخيرًا أن تعرف الحقيقة كاملة وأن تحاسب على أساسها.
بعد شهر على قرار مجلس الوزراء، ما زالت الأسئلة أكبر من الأجوبة.
من يوقّع العقد؟
من يملك القرار؟
من يراقب التنفيذ؟
من يتحمل المسؤولية عند الإخلال؟
ومن سيحاسب عن سنوات طويلة من الغموض والخلل إذا كان الجميع يتحدث عن المستقبل ويتجنب الحديث عن الماضي؟
وحتى تصل هذه الأجوبة، سيبقى القلق مشروعًا.
وستبقى صيدا تنتظر الحقيقة…

