في مدينة كصيدا لا تُقاس الجهود فقط بما يُنجَز على الأرض، بل أيضاً بما يترسّخ في وعي الناس.
فكم من تعبٍ يُبذل بصمت، وكم من عرقٍ يُسكب على الطرقات، ليُمحى في ساعات قليلة بفعل سلوكٍ عابر، أو لامبالاة متكرّرة.
في الآونة الأخيرة تُسجَّل جهود ملحوظة تقوم بها لجنة البيئة في بلدية صيدا، برئاسة عضو المجلس البلدي يوسف طعمة، بالتعاون مع عمال البلدية وعدد من الجمعيات والمؤسسات، من بينها جمعية نبع، وجمعية التنمية للإنسان والبيئة (DPNA)، ومؤسسة جبيلي، إضافة إلى شركة IBC، إلى جانب مبادرات فردية وجماعية ساهمت جميعها في تنظيف عدد من الشوارع والأحياء.
عمليات كنسٍ يومية، تبدأ من مناطق حيوية كالحسبة والكورنيش، وتمتد لتشمل السوق التجاري الذي يُنظَّف ضمن دوام مسائي من الساعة الخامسة حتى التاسعة.
أما باقي الفرق فتتوزّع على مختلف أنحاء المدينة، رغم النقص الحاد في عدد العمال، حيث لا يتجاوز عددهم 14 عاملاً، في حين أن الحاجة الفعلية تقارب 80 عاملاً.
ورغم هذا الواقع يعمل هؤلاء بجهدٍ يفوق طاقتهم، بدافع من مسؤولية لا تُقاس بالأرقام. والنتائج على الأرض واضحة لمن يمر في هذه الشوارع.
مساحات كانت تعاني من تراكم النفايات، أصبحت أكثر نظافة وتنظيماً، في مشهدٍ يعكس حجم العمل المبذول رغم محدودية الإمكانيات.
لكن ما الجدوى؟
هذا السؤال لا يُطرح تقليلاً من قيمة الجهود، بل دفاعاً عنها.
فحين تُنظَّف الطرقات صباحاً، وتُعاد فوضى النفايات مساءً، لا تكون المشكلة في الكنس بل في غياب ثقافة النظافة.
وحين تتحوّل الشوارع إلى مساحات مفتوحة لرمي الأوساخ دون حسيب أو رقيب، يصبح أي جهد مهما كان كبيراً مهدداً بالضياع.
المسألة هنا لا تتعلّق فقط بالخدمات، بل بالشراكة بين المواطن والمدينة.
فالبلدية مهما حاولت، لا تستطيع وحدها أن تحافظ على نظافة صيدا.
والمجتمع إن لم يتحمّل مسؤوليته، سيبقى شريكاً في المشكلة لا في الحل.
من هنا لا بد من التفكير بخطوات مكمّلة:
تفعيل دور شرطة البلدية في مراقبة المخالفات.
اعتماد لافتات توعوية في الشوارع والأماكن العامة، تتضمّن رسائل مباشرة وصوراً واضحة تحث على عدم رمي النفايات وتعزّز السلوك المسؤول.
زيادة عدد حاويات النفايات في الشوارع والأماكن الحيوية، وتوزيعها بشكل مدروس بما يسهّل على المواطنين التخلّص من نفاياتهم بشكل سليم ويحد من الرمي العشوائي.
فرض غرامات واضحة وصارمة على رمي النفايات في الأماكن العامة.
دراسة إمكانية تركيب كاميرات مراقبة في النقاط الأكثر تضرراً.
والأهم إطلاق حملات توعية مستمرة تُخاطب السلوك، لا فقط الظاهرة.
النظافة ليست موسمية ولا هي مبادرة ظرفية، بل ثقافة يومية تبدأ من الفرد.
قد تنجح فرق الكنس في إزالة الأوساخ، لكن وحده الوعي قادر على منع عودتها.
وفي مدينة بتاريخ صيدا، لا يليق أن تبقى النظافة معركة يومية بل يجب أن تصبح حالة طبيعية، تشبه أهلها حين يكونون في أفضل صورتهم.
وإذا كانت الجهود اليوم تُبذل بإمكانات محدودة، فإن حمايتها مسؤولية مشتركة، تبدأ بقرار حازم من الجهات المعنية، ولا تكتمل إلا بالتزام فعلي من كل فرد في هذه المدينة.

