إستضافت بلدية صيدا مؤتمر «صيدون الإرث» الأول للجمعية اللبنانية الدولية للتدريب والتنمية (LITD) ، تحت مبادرة CHAT، حيث تم اعتماد مجموعة من التوصيات التي تمثّل خارطة طريق متكاملة لصون التراث الثقافي في مدينة صيدا، والمحافظة على آثارها وترميمها، وتثمين إرثها الحضاري ضمن مقاربات تنموية مستدامة.

وقد حضر جلسات المؤتمر في قاعة مصباح البزري في القصر البلدي رئيس إتحاد بلديات صيدا الزهراني، رئيس بلدية صيدا المهندس مصطفى حجازي، رئيسة لجنة تنظيم المدينة والتنمية الحضارية عضو المجلس البلدي في صيدا المهندسة براء الحريري، السيد مازن حشيشو ممثلاً رئيسة مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة السيدة بهية الحريري، السيد حسان القطب ممثلا عن الأوقاف الإسلامية، المهندس بلال كيلو ممثلاً رئيس جمعية المقاصد الخيرية في صيدا الأستاذ فايز البزري، السفير عبد المولى الصلح، وعدد من أعضاء المجلس البلدي.

إستهل إفتتاح أعمال المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني، ثم بكلمة من الآنسة عفيفة السن، الشريك المؤسس لمبادرة CHAT.

كلمة بلدية صيدا 
ثم ألقت كلمة بلدية صيدا المهندسة براء الحريري التي رحّبت بالحضور مثنيةً على الدور الذي لعبته مدينة صيدا في تاريخ لبنان والمنطقة. وجاء في كلمتها:
أرحّب بكم جميعًا في مدينة صيدا، هذه المدينة التي لا تختصرها الآثار وحدها، بل تختصرها ذاكرتها الحيّة الممتدة منذ آلاف السنين.

إن إجتماعنا اليوم في مؤتمر «صيدا: الإرث» ليس فقط للحديث عن الماضي، بل للتفكير بمسؤوليتنا تجاه هذا الإرث، وكيف نحميه ونحفظه وننقله إلى الأجيال القادمة.

صيدا مدينة لعبت دورًا أساسيًا في تاريخ لبنان والمنطقة، إلا أن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات حقيقية، من الإهمال، إلى التوسع العمراني، وصولًا إلى التغير المناخي.

وهذا يتطلب منّا جميعًا عملًا مشتركًا، بعيدًا عن الجهود الفردية أو المؤقتة.
من هنا، تؤكد بلدية صيدا إلتزامها بدعم كل مبادرة تهدف إلى حماية التراث.
ونؤكد أيضًا أن حماية التراث ليست ملفًا ثقافيًا فقط، بل مسؤولية تخطيطية وإنمائية متكاملة، وهي مسؤولية مشتركة مع جميع الجهات المختصة الرسمية و المحلية.
كما نؤكد أن تراث صيدا لا يقتصر على المباني والأسوار، بل يشمل أيضا المشهد الزراعي التاريخي، من بساتين قديمة وقنوات ري أثرية شكّلت ذاكرة المدينة البيئية والغذائية. ومن هنا، تعمل اللجنة في البلدية محاولةً تثبيت حماية هذه المساحات ضمن تصميم مخطط توجيهي يشمل منطقة الوسطاني الشرقية ومنع التوسع العمراني العشوائي فيها، وتنظيم محيطها، وربطها بشبكة المساحات العامة، والعمل للتعاون من أجل تصنيف الغير المصنّف منها كآثار. لذا فإن الحماية تكون عبر الإدماج الذكي ضمن التخطيط الحضري وإدراج الاعتبارات التراثية ضمن المخططات التوجيهية العامة والتفصيلية.

إن التراث ليس عبئًا، بل فرصة للتنمية الثقافية والسياحية، وعنصرًا أساسيًا في تعزيز هوية المدينة وتطورها.
نشكر جميع القائمين على هذا المؤتمر، وكل من يساهم في حماية إرث صيدا، لأن الحفاظ على تراثنا هو حفاظ على هويتنا ومستقبلنا.

من جهته أكد رئيس الجمعية اللبنانية الدولية للتدريب والتنمية (LITD) الدكتور عبد البديع الددا، "إن صيدون ليست مجرد شاهد على التاريخ، بل فاعلٌ فيه؛ مدينة أسهمت في صناعة الحضارات، وانفتحت على البحر والعالم، واحتفظت بهويتها رغم تعاقب العصور والتحولات. ومن هذا الوعي، يأتي هذا المؤتمر ليؤكد أن الإرث الثقافي ليس ماضياً نحتفي به فحسب، بل مسؤولية جماعية، وركيزة أساسية لبناء مستقبل يقوم على المعرفة، والانتماء، والتنمية المستدامة.
اذ يهدف المؤتمر إلى توفير منصة علمية وثقافية للحوار والتبادل بين الباحثين والمختصين والمهتمين بالشأن التراثي والثقافي، من أجل توثيق هذا الإرث، وتحليل أبعاده التاريخية والاجتماعية، وبحث آليات حمايته وتفعيله في السياق المعاصر، بما يضمن إستمراريته ونقله إلى الأجيال القادمة بروح تحافظ على الأصالة وتواكب متطلبات العصر. ويأتي التنظيم لهذا المؤتمر تأكيداً على التزامها بدعم الثقافة وحماية الهوية، وإيمانها بأهمية الشراكة بين المؤسسات الرسمية والخاصة والمجتمع المدني في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي الثقافي".

وفي ختام جلسات المؤتمر قدم د. الددا وأعضاء اللجنة التنظيمية للمؤتمر الدروع التكريمية إلى المحاضرين والمشاركين في جلسات المؤتمر التخصصي.

التوصيات
ولاحقا، أصدرت اللجنة المنظمة توصيات المؤتمر  التي تحدّد مجموعة من الأولويات الاستراتيجية، أبرزها:
• صون التراث الثقافي المادي وغير المادي وتوثيقه بشكل منهجي

• تعزيز المحافظة الوقائية على المواقع الأثرية وترميم المعالم التاريخية وفق أسس علمية وأخلاقية
• حماية التراث البحري والآثار المغمورة بالمياه من خلال البحث العلمي والأطر القانونية والمؤسسية
• إدماج التراث في استراتيجيات التنمية الثقافية والسياحية المستدامة
• بناء القدرات الوطنية والمحلية في مجالات الترميم، والتوثيق، وإدارة التراث
• تعزيز الحوكمة التشاركية والتعاون بين الجهات الرسمية، والمؤسسات الأكاديمية، والبلديات، والمجتمع المدني

وأكد المشاركون أن التراث الثقافي يشكّل رصيداً استراتيجياً للهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة، وليس مجرد إرث من الماضي، داعين إلى تحويل هذه التوصيات إلى برامج عمل واضحة، وخطط تنفيذية قابلة للمتابعة والتقييم.