في لبنان لا تُخاض معركة مكافحة الفساد بوصفها مساراً وطنياً شاملاً، بل تُدار غالباً كأداة انتقائية، تُفتح فيها الملفات بميزان القوى لا بميزان القانون، وتُقفل حين تمس المحظور السياسي أو المالي.
ما جرى أخيراً في بلدية صيدا ليس حدثاً معزولاً، بل نموذج فاضح لهذا النهج.
بدلاً من التعامل مع الخلل الإداري والمالي ضمن أطره المؤسساتية، جرى تحويله إلى مادة استعراض إعلامي، تُسحب منها الوقائع من سياقها، وتُقدَّم للرأي العام كأحكام جاهزة قبل أن يقول القضاء كلمته.
الخلل لم يُكتشف صدفة، ولا تحت ضغط الشارع، بل عبر إجراءات داخلية اتخذها المجلس البلدي نفسه، ولجان تحقيق رسمية، وإحالات واضحة إلى الجهات المختصة.
هذا المسار مهما كانت الملاحظات عليه، هو جوهر العمل المؤسساتي.
لكن ما حصل لاحقاً هو القفز فوقه، وكأن المطلوب ليس المحاسبة بل الإدانة السريعة، ولا الإصلاح بل تصفية الحسابات.
الأخطر في هذا المشهد، ليس فقط استهداف موظفين أو التشهير بأشخاص، بل ضرب فكرة العدالة نفسها.
فحين تُدار التحقيقات عبر التسريب، ويُستبدل القضاء بمنابر الإعلام، تصبح قرينة البراءة تفصيلاً، ويغدو القانون عبئاً يجب تجاوزه لا مرجعية يُحتكم إليها.
وإذا كانت هناك نية فعلية لمكافحة الفساد، فالسؤال البديهي: لماذا تُفتح الملفات الثانوية، بينما تُترك القضايا الكبرى بلا مساءلة؟
من تنازل عن حقوق المدن في إدارة نفاياتها؟
من غطّى الهدر بعشرات ملايين الدولارات؟
من عطّل المراسيم وامتنع عن وضع خطط استثمار شفافة للأملاك العامة؟
من حمى التعديات وشرّع الاستباحة تحت مظلة السياسة؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل عناوين فساد بنيوي، يعرفها الجميع ويتجاهلها كثيرون، لأنها تطال مواقع "محصّنة".
إن تحويل مكافحة الفساد إلى حملة انتقائية، لا يضرب الفاسدين فقط، بل يضرب ثقة الناس بأي مسار إصلاحي.
فالمحاسبة لا تكون مجتزأة، ولا تُمارس على الضعفاء فقط، ولا تُختصر بموظف هنا أو مخالفة هناك، فيما تُترك البنية التي تنتج الفساد على حالها.
الدفاع عن منطق المؤسسات اليوم، ليس ترفاً ولا اصطفافاً سياسياً، بل معركة بحد ذاتها.
مكافحة الفساد لا تكون بالاستعراض ولا بالتشهير، بل بمسار مؤسساتي وقضائي كامل، يبدأ بالتحقيق ولا ينتهي إلا بالمحاسبة العادلة. أما الانتقائية والقفز فوق القضاء، فلا تُنتج عدالة ولا إصلاحاً، بل تسييساً وتشويهاً للحقيقة.
لأن الدولة لا تُبنى بالضجيج ولا بالتشهير ولا بالعدالة الانتقائية، بل بمسار واضح: تحقيق كامل، قضاء مستقل، ومحاسبة تبدأ من الأعلى قبل الأدنى.
أما غير ذلك، فليس مكافحة فساد...
بل استعراض سلطة بوجه قانون مُعلَّق، وعدالة مُؤجَّلة.