كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
آن أوان المصارحة
قراءة في إدارة مدينة صيدا
الحلقة الأولى
المدينة ليست رهينة
فتح المعمل ضرورة… لكن حماية المدينة تبدأ بكشف الحقيقة
ليس ما يشغلنا اليوم كيف فُتح معمل معالجة النفايات، ولا السجال الذي رافق إعادة فتحه.
ما يشغلنا هو سؤال واحد:
هل خرجت صيدا فعلاً من أزمتها، أم أننا لا نزال نعيش هدنة مؤقتة قد تنتهي في أي لحظة؟
لقد لفتني في البيان الأخير الصادر عن الشركة المشغلة ليس ما تضمّنه من ردود على هذا الطرف أو ذاك، بل إعلانه الصريح أن المعمل قد يُقفل مجدداً خلال خمسة عشر يوماً إذا لم تُسدَّد المستحقات المالية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فإذا كان مصير مدينة بأكملها يمكن أن يبقى معلقاً بمهلة خمسة عشر يوماً، فهذا يعني أن الأزمة لم تُحل، بل أُجّلت.
ويعني أيضاً أن صيدا ما زالت رهينة قرار خارج عن ارادتها .
والمدينة التي يمكن أن تتوقف فيها خدمة أساسية بسبب نزاع مالي أو قانوني، تحتاج إلى مراجعة شاملة في طريقة إدارة مرافقها العامة، لا إلى تسوية جديدة تؤجل المشكلة.
إن إعادة تشغيل المعمل ضرورة لا نقاش فيها، لأنها تحمي المدينة من كارثة صحية وبيئية.
لكن فتح الأبواب لا يكفي ، وصيدا ترفض بكل مكوناتها ان يُمنّنها احد لقاء خدمة مدفوعة الاجر.
السؤال الذي يجب أن نجيب عنه جميعاً هو:
كيف نمنع تكرار هذه الأزمة بعد خمسة عشر يوماً، أو بعد شهر، أو بعد سنة؟
لقد آثر كثيرون، وأنا منهم، التريث في إثارة بعض الملفات، حرصاً على وحدة المجلس البلدي، وإيماناً بأن التعاون هو الطريق الأفضل لخدمة المدينة.
لكن التجربة أثبتت أن الحفاظ على وحدة المجلس لا يمكن أن يكون على حساب دوره، ولا على حساب حق الناس في معرفة الحقيقة.
فالمجلس البلدي ليس هيئة تصادق على ما يُقرر خارجها، بل هو السلطة التي أناط بها القانون مسؤولية النقاش والرقابة والمحاسبة واتخاذ القرار.
ومن هنا، فإنني أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على أسس واضحة:
• ضمان استمرار تشغيل المعمل، بحيث لا يصبح إقفاله وسيلة ضغط في أي نزاع.
• وضع كامل ملف المعمل ، بعقوده وتعديلاته وتقاريره الفنية والمالية، أمام المجلس البلدي والرأي العام.
• إجراء مراجعة شاملة لهذا الملف،والاطلاع على ما هو مستور واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.
لن أدخل في سجال مع أحد.
فما يعنيني ليس الخوض في نقاش إعلامي، بل حماية المدينة.
والسؤال الذي يستحق جواباً ليس: من ربح السجال؟
بل: من سيضمن لأهل صيدا ألا يستيقظوا مرة أخرى على مدينة تغرق بالنفايات؟
لقد آن أوان المصارحة.
فالحقيقة ليست ترفاً سياسياً، ولا وسيلة لتصفية الحسابات، بل هي الشرط الأول لاستعادة ثقة الناس، وحماية المدينة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المرافق العامة بعيداً عن الأزمات المتكررة.
وسألتزم، من موقعي في المجلس البلدي، بأن أطالب بوضع هذا الملف بكل تفاصيله أمام المجلس والرأي العام، لأن صيدا تستحق أن تعرف، ولأن مستقبلها لا يجوز أن يبقى رهينة الغموض أو التسويات المؤقتة.
هذه ليست نهاية الأزمة… بل بداية مراجعة شاملة في إدارة مدينة صيدا.
⸻
يتبع…
*الحلقة الثانية: “لن نكون شهود زور”…

