تستعد مدينة صيدا في الخامس من أيلول المقبل لاستقبال حدث سياحي مميز يعيد وصل عاصمة الجنوب ببحرها الأبيض المتوسط مع رسو الباخرة السياحية «Cedar Waves» للمرة الأولى في ميناء المدينة القديم في رحلة بحرية تنطلق من مرفأ جونية باتجاه صيدا في مبادرة من شأنها أن تفتح مساراً جديداً أمام السياحة البحرية الداخلية وتعزز حضور المدينة على الخريطة السياحية اللبنانية.
وتأتي هذه الرحلة برعاية وزيرة السياحة لورا لحود وبالتعاون مع بلدية صيدا في خطوة تهدف إلى تنشيط حركة السياحة الداخلية بين المدن الساحلية اللبنانية والتعريف بما تختزنه صيدا من معالم تاريخية وأثرية وتراثية تمتد جذورها إلى أكثر من ستة آلاف عام بما يجعلها واحدة من أعرق المدن المتوسطية وأكثرها غنى بتنوعها الحضاري.
ويكتسب الحدث أهمية إضافية في ضوء اختيار صيدا مؤخراً عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لعام 2027 بما يشكل فرصة لترجمة هذا الدور على أرض الواقع وإبراز المدينة كمساحة للتلاقي الثقافي والسياحي والحضاري وكوجهة بحرية تستحق أن تكون حاضرة على مسارات الرحلات البحرية الساحلية.
استعدادات لرسو الباخرة في ميناء صيدا
وفي هذا الإطار تواصل بلدية صيدا استعداداتها لاستقبال الباخرة وزوارها حيث يعقد رئيس البلدية المهندس مصطفى حجازي سلسلة اجتماعات ولقاءات مع الجهات المعنية لمتابعة مختلف الترتيبات اللوجستية والتنظيمية ولا سيما ما يتعلق بنظافة المدينة وتجهيزات المرفأ والتنسيق مع وزارة الأشغال العامة والنقل.
وكان فريق عمل تابع للباخرة قد عاين رصيف الميناء القديم واطلع على التفاصيل التقنية واللوجستية اللازمة لضمان عملية رسوها واستقبال الزوار في خطوة تؤكد أهمية التحضير لهذه الرحلة التي تُعد الأولى من نوعها في الميناء منذ عقود.
وفي هذا السياق وجّه رئيس البلدية تحية إلى إدارة المرفأ والجمارك والأمن العام على تعاونهم وعلى الجهود المبذولة لتأمين الإمكانات اللازمة لاستقبال الباخرة والزوار.
كما وتأتي الرحلة ضمن فعاليات مهرجانات "صيداويات 2026" التي تنظمها بلدية صيدا على المرفأ قبالة القلعة البحرية والتي تنطلق في 27 آب وتستمر حتى السادس من أيلول.
نحو خط بحري يربط صيدا بجونية
وفي حديث خاص للوكالة الوطنية للإعلام عن هذا الحدث المرتقب اعتبر رئيس البلدية المهندس مصطفى حجازي ان فكرة إطلاق هذه المبادرة لا تقتصر على تنظيم زيارة سياحية ليوم واحد بل تأتي في إطار رؤية أوسع ضمن فعاليات صيدا عاصمة متوسطية للثقافة والحوار تقوم على تشجيع إقامة خط بحري دائم يربط صيدا بجونية وسائر المدن الساحلية بما يتيح تبادل الزيارات السياحية عبر البحر بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن رسو «Cedar Waves» في ميناء صيدا يشكل حدثاً لافتاً خصوصاً أنه ومنذ تسعينيات القرن الماضي لم ترسُ في الميناء سفينة سياحية من هذا النوع معتبراً أن إعادة استقبال الرحلات البحرية في صيدا من شأنها أن تعيد التأكيد على علاقة المدينة التاريخية بالبحر وموقعها على الساحل المتوسطي.
رحلة في ذاكرة صيدا
وتابع : من المقرر أن تصل الباخرة إلى مرفأ صيدا عند الثانية عشرة ظهراً حيث ستكون البلدية في استقبال الزوار على أن يشارك في الرحلة نحو 200 شخص من بينهم رئيس وأعضاء بلدية جونية وسياح من جونية وجبل لبنان.
واضاف : ومن المرفأ ينطلق الزوار سيراً على الأقدام باتجاه خان الإفرنج حيث تقام احتفالية ترحيبية قبل تقسيم المشاركين إلى أربع مجموعات ترافقها مرشدون سياحيون في جولة داخل المدينة القديمة.
وستشمل الجولة عدداً من أبرز المعالم التراثية والتاريخية في صيدا من القلعة البحرية إلى متحف عودة للصابون وخان صاصي وقصر دبانة والحمامات الأثرية ومنها الحمام الجديد إلى كنيسة مار نقولا وعدد من الجوامع التاريخية في محاولة لتقديم صورة متكاملة عن التنوع الحضاري والديني الذي يميز المدينة والتعريف بكنوزها التي تختزن طبقات متعاقبة من تاريخ البحر المتوسط.
وبعد انتهاء الجولة يعود الزوار إلى الميناء عند الخامسة مساءً لتنطلق الباخرة عائدة إلى جونية عند الخامسة وتصل إليها قرابة السادسة والنصف مساءً.
صيدا.. مدينة آمنة تستحق الزيارة
ولفت حجازي إلى انه تتجاوز الرسالة التي تحملها المبادرة الجانب السياحي البحت إذ تريد بلدية صيدا أن تقدم للزوار صورة مختلفة عن المدينة بوصفها مدينة فينيقية تاريخية، آمنة، مسالمة، تتمتع بأجواء مميزة وتفتح أبوابها أمام اللبنانيين من مختلف المناطق.
ويؤكد حجازي أن الهدف هو تعريف الزوار بتاريخ صيدا الممتد لنحو ستة آلاف عام وإبراز أسواقها القديمة وكنائسها وجوامعها ومعالمها الأثرية وما تختزنه من قصص ومحطات حضارية بما يشجع على استقطاب المزيد من الزوار وتحريك الدورة السياحية والاقتصادية فيها.
وفي موازاة الاستعدادات للحدث تستعد المدينة أيضاً لتعزيز أعمال النظافة بعدما أُبلغت البلدية بموافقة المحافظة على تلزيم شركة NTCC عقد كنس سنوي للمدينة بقيمة 720 ألف دولار، في خطوة هي الأولى من نوعها بعد سنوات من الاعتماد على المتطوعين في أعمال الكنس والتنظيف.
ويشدد حجازي على أن تحسين النظافة لا يقع على عاتق الشركة وحدها بل يتطلب بالتوازي ترسيخ ثقافة الحفاظ على نظافة المدينة لدى المواطنين.
حضور وزاري ورسالة تتجاوز السياح
وتكتسب المناسبة بعداً رسمياً أيضاً إذ يُتوقع أن تشارك فيها وزيرة السياحة لورا لحود إلى جانب وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة ، فيما وجّهت بلدية صيدا دعوات إلى وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين، ووزير الاقتصاد والتجارة دكتور عامر البساط، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، في تأكيد على أهمية الحدث كمساحة تجمع بين السياحة والثقافة والاقتصاد والنقل والبيئة.
مرعي ابو مرعي
أما صاحب الباخرة رجل الأعمال مرعي أبو مرعي فيؤكد أن هذه الفعالية تأتي في إطار التعاون المستمر مع البلديات الساحلية لتفعيل السياحة البحرية، ومن بينها بلدية صيدا، وإحياء الروابط بين المدن اللبنانية عبر البحر باعتباره جسراً ثقافياً وسياحياً.
ويرى أبو مرعي أن البحر لا ينبغي أن يكون مجرد واجهة للمدن اللبنانية، بل وسيلة لربطها ببعضها البعض، معتبراً أن هذه المبادرة تحمل أيضاً بعداً وطنياً، من خلال التلاقي والتواصل والوحدة بين اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف.
ويأمل أبو مرعي أن تشكل زيارة «Cedar Waves» إلى صيدا بداية لمسار أكثر استدامة يعزز السياحة في المدينة، ويدعم السياحة البحرية الداخلية، ويفتح مسارات جديدة أمام الزوار للوصول إليها، بما يعيد وضع صيدا على خريطة السياحة البحرية اللبنانية.
ففي الخامس من أيلول لن تكون صيدا أمام مجرد زيارة سياحية عابرة.. فالسفينة التي ستشق طريقها من جونية إلى مينائها تحمل معها اختباراً لفكرة أوسع: أن تستعيد المدن الساحلية اللبنانية البحر كجسر يصلها ببعضها وأن تستعيد صيدا تحديداً موقعها كمدينة متوسطية مفتوحة على البحر، والتاريخ، والثقافة والسياحة!!

