كتب رئيس لجنة المحافظة على التراث في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
حين اختيرت صيدا، إلى جانب قرطبة، عاصمةً للثقافة والحوار لعام 2027، لم يكن هذا الاختيار مجرد تكريم لمدينة عريقة، بل اعترافًا بمكانة صيدا التاريخية ، وبقدرتها على أن تكون مساحةً للقاء والتنوع والحوار في شرق المتوسط.
هذا الحدث ليس مناسبة عابرة، ولا مهرجانًا يمتد عامًا ثم ينتهي، بل فرصة قد لا تتكرر لعقود، إذا أحسنّا استثمارها.
فالسؤال الحقيقي ليس:
كم مهرجانًا سنقيم؟
ولا: كم ضيفًا سنستقبل؟
بل: أي صيدا نريد أن تبقى بعد عام 2027؟
إذا انتهى كل شيء بانتهاء الاحتفالات، نكون قد أضعنا فرصة تاريخية.
أما إذا تحوّل هذا الاستحقاق إلى مشروع متكامل لإعادة الاعتبار للمدينة، وتراثها، وفضائها العام، وحياتها الثقافية، واقتصادها المحلي، فإن عام 2027 سيصبح نقطة تحوّل في تاريخ صيدا، لا مجرد محطة في روزنامة النشاطات.
الثقافة ليست حفلاً يُفتتح بالترحيب ويختتم بالتصفيق .
الثقافة هي المدينة نفسها.
هي أسواقها القديمة، وساحاتها، وأحياؤها، وحرفها التقليدية، ومدارسها، وجامعاتها، ومسرحها، ومكتباتها، وفنانوها، وأطفالها، وشبابها، وكل من يعيش فيها ويمنحها روحها اليومية.
ومن هنا، فإن نجاح هذا الاستحقاق لا يقاس بعدد الفعاليات التي ستقام، بل بقدرته على ترك أثر دائم في المدينة، يشعر به أبناؤها قبل زوارها.
وهذا يفرض علينا منذ اليوم أن ننتقل من التفكير في الاحتفال إلى التفكير في المشروع.
فالمشروع يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى مشاركة.
إن المدن لا تُبنى بقرار منفرد، ولا تكتمل بمبادرات متفرقة، مهما كانت قيمة القائمين عليها أو صدق نواياهم، بل تنجح عندما تلتقي مؤسساتها الرسمية، وجامعاتها، وجمعياتها، وقطاعها الخاص، ومثقفوها، وفنانوها، وأهلها حول هدف واحد.
وهنا يبرز الدور الطبيعي للمجلس البلدي، باعتباره المؤسسة المنتخبة التي تمثل المدينة بكل مكوناتها، والدور الطبيعي للبلدية في التنسيق بين مختلف المبادرات، وتأمين التكامل بينها، بما يحفظ المصلحة العامة ويعطي كل شريك دوره المستحق.
إن إشراك الناس ليس خطوة إعلامية، بل شرط أساسي لنجاح هذا الاستحقاق.
فكل مدرسة، وكل جامعة، وكل حي، وكل جمعية، وكل صاحب حرفة أو متجر، يجب أن يشعر بأن له مكانًا في هذه الرحلة، وأن عام 2027 ليس مناسبة تُقام باسمه، بل مشروع يشارك في صناعته.
ولذلك، فإن المطلوب منذ اليوم أن يبدأ حوار واسع داخل المدينة، لا حول تفاصيل الاحتفالات، بل حول الرؤية التي نريد أن نقدم بها صيدا إلى العالم، وحول الإرث الذي نريد أن نتركه للأجيال التي ستأتي بعد انتهاء هذه المناسبة.
إن صيدا لا تحتاج إلى سنة جميلة فقط.
بل تحتاج إلى أن تجعل من عام 2027 بداية لمرحلة جديدة في تاريخها.
فعظمة المدينة لا تصنعها المناسبات…
بل تصنعها الطريقة التي تحتضن بها تلك المناسبات .

