ليس كل مدينة ساحلية تنجح في تحويل موقعها البحري إلى قوة اقتصادية، وليس كل مرفأ يحتفظ بالدور الذي وُجد من أجله.
وبين هذين الواقعين تقف صيدا أمام سؤال قديم متجدد: هل تستعيد دورها الاقتصادي الذي عُرفت به عبر التاريخ؟
عندما نتحدث عن مرفأ صيدا، فنحن لا نتحدث عن منشأة بحرية عادية، بل عن جزء من هوية مدينة ارتبط اسمها بالبحر والتجارة منذ آلاف السنين.
فصيدا لم تكن يوماً مدينة هامشية على الساحل اللبناني، فمنذ آلاف السنين كانت بوابة للتجارة البحرية، وميناء ربط الشرق بالغرب، وأسهمت في ازدهار المدينة وتحويلها إلى واحدة من أهم الحواضر التجارية في المنطقة.
كان البحر بالنسبة إليها مصدر قوة وانفتاح، وليس مجرد واجهة جغرافية.
لكن الواقع الحالي يطرح مفارقة واضحة.
فمدينة تملك هذا الإرث البحري وهذا الموقع على الساحل اللبناني، لم تتمكن حتى اليوم من استثمار مرفئها بالشكل الذي يوازي إمكاناته.
المطلوب اليوم ليس استعادة الماضي كما كان، بل بناء دور جديد يتناسب مع حاجات الحاضر.
فالمرافئ في العالم لم تعد مجرد أماكن لدخول السفن وخروج البضائع، بل أصبحت محركات اقتصادية متكاملة ترتبط بالنقل، والخدمات اللوجستية، والتخزين، والتجارة، وتؤمن فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
من هنا تأتي أهمية إعادة طرح تفعيل مرفأ صيدا كجزء من رؤية اقتصادية للمدينة، لأن القضية لا تتعلق بمرفق بحري فقط، بل بقدرة المدينة على خلق فرص جديدة لأبنائها وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
فخلق فرص العمل لا يكون فقط عبر الوظائف التقليدية، بل عبر مشاريع قادرة على تحريك قطاعات متعددة حول المرفأ، من النقل والخدمات إلى التجارة والاستثمار، وصولاً إلى استعادة صيدا جزءاً من دورها كمدينة منتجة وحيوية.
لكن تحويل هذا الطرح إلى واقع يحتاج إلى أكثر من الأمنيات. فهو يتطلب دراسة جدية لإمكانات المرفأ، وخطة واضحة لتطويره، وتحديد دوره ضمن الخارطة الاقتصادية اللبنانية، إضافة إلى تأمين البنية التحتية اللازمة التي تسمح له بالمنافسة وتقديم قيمة مضافة.
كما أن نجاح أي مشروع مرتبط بالمرفأ يحتاج إلى مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار وجود مرافئ لبنانية أخرى، وطبيعة حركة التجارة في المنطقة، وما يمكن أن يميز مرفأ صيدا ويمنحه دوراً تكاملياً يخدم المدينة ومحيطها.
إن أهمية هذا الملف لا تكمن فقط في المرفأ بحد ذاته، بل في السؤال الأكبر المرتبط بمستقبل صيدا.
هل تبقى المدينة أسيرة اقتصاد محدود، أم تستعيد دورها كمدينة منتجة تستفيد من موقعها وتاريخها؟
إن إعادة الاعتبار للمرفأ ليست مشروعاً لقطاع واحد، بل فرصة لفتح نقاش حول نموذج التنمية الذي تحتاجه صيدا، وحول كيفية تحويل عناصر القوة الموجودة فيها إلى مشاريع حقيقية تنعكس على أهلها.
فالمدينة التي عرفت كيف تجعل من البحر مصدر ازدهار في الماضي، قادرة على أن تجد في بحرها فرصة جديدة للمستقبل.
مرفأ صيدا لا يحتاج فقط إلى أن يُنظر إليه كمنشأة قائمة، بل كجزء من مشروع اقتصادي يمكن أن يعيد وصل المدينة بدورها الطبيعي كمدينة تجارة، وحركة، وفرص عمل.
فالتحدي اليوم ليس في غياب الإمكانات، بل في تحويل هذه الإمكانات إلى قرار ومشروع اقتصادي واضح ومستدام يعيد للمرفأ دوره وللمدينة جزءاً من مكانتها.
07/24/2026 \n

