170 شبكة إسرائيلية "تحت التحقيق"، من أصل آلاف تقدّرها جهات أمنية "تنفيذية" بأكثر من 10 آلاف ناشطة على الأراضي اللبنانية، بعدما رصدت إسرائيل أكثر من مليون سيرة ذاتية CV، قدّمها لبنانيون "أونلاين" خلال السنوات الثلاثة الماضية، تحت وطأة الحاجة الماسة إلى المال، إلى "الفريش دولار".

هي فرصة لا تتكرّر للموساد الإسرائيليّ، الذي لم يهدأ ولم يتوانَ عن اختراق السّاحة اللبنانيّة منذ الانهيار المالي والاقتصادي قبل 3 سنوات. حتى باتَ يُمكن القول إنّ إسرائيل "اجتاحَت لبنان استخباريّاً"، بحسب مصادر أمنيّة وقضائيّة مُطّلعة.



170 شبكة إسرائيلية "تحت التحقيق"، من أصل آلاف تقدّرها جهات أمنية "تنفيذية" بأكثر من 10 آلاف ناشطة على الأراضي اللبنانية، بعدما رصدت إسرائيل أكثر من مليون سيرة ذاتية CV، قدّمها لبنانيون "أونلاين" خلال السنوات الثلاثة الماضية

على مدى الأشهر الماضية، نشطت شعبة المعلومات في قوى الأمن الدّاخليّ في توقيف شبكات تتعامَل مع الموساد، فاقَ عددها الـ170 حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، والتّوقيفات مُستمرّة بشكلٍ شبه يوميّ، وقد يحتاج هذا الملفّ إلى سنتيْن من التوقيفات، وقد يتجاوز عدد الموقوفين الآلاف.

جنّد الكيان الإسرائيليّ عدداً هائلاً من الشّبكات، حتّى باتَ "الموساد" يُواجه تخمةً في شبكة عُملائه اللبنانيين. يصف مرجعٌ أمنيّ لـ"أساس" هذه الحالة بالقول إنّ "الموساد صار عايز ومستغني"، وهذا ما أثبتته التحقيقات مع عُملاءٍ تخلّى الموساد عنهم من أوّل "سوء تفاهم" أو "تقصيرٍ بسيط في الخدمة"، وهذا لم يكن يحصل في السّابق في أغلب الحالات.

لا ينشطُ الموساد بواسطة العملاء فقط، بل يقوم بعمليّات خاصّة داخل لبنان. تشير معلومات "أساس" إلى أنّ فرقةً خاصّة من الموساد دخلت إلى جنوب لبنان في فترةٍ بين أواخر تشرين الثّاني ومطلع كانون الأوّل 2021 وأتلفت مستودع صواريخ لحزب الله باستخدام "الأسيد"، تجنّباً لتفجيرها خشية انفضاح أمر الفرقة. وقد تكتّم الحزب عن هذا الاختراق الكبير.

كيف رفعت الأزمة من منسوب العملاء؟

تكشف المعلومات أنّ الحجم الهائل من العملاء ارتفع بشكل غير مسبوق مع بداية الأزمة الاقتصاديّة نهاية 2019. منذ ذلك الحين، رصدَت شعبة المعلومات تحرّكات واتصالات واسعة لمواطنين لبنانيّين من مختلف الطوائف والمناطِق مع العدوّ بشكلٍ كبيرٍ، وبحسب المصادر فإنّ مردّ ذلك إلى أسباب عديدة أبرزها:

- أوّلاً: أثّرَت الأزمة الاقتصادية على معيشة اللبنانيين، وأدّت إلى تراجع القدرة الشرائية وانخفاض حجم الدّخل. وأثّرت أيضاً في نمط حياتهم الذي اعتادوا عليه قبل الأزمة.

دفع هذا الواقع المستجدّ البعض إلى البحث عن مصدر دخل خارجيّ بحثاً عن "الفريش دولار"، وإن كان من خلال العمل "Online"، أو لقاء بعض الخدمات التي يمكن القيام بها من أجل التكسّب بشكل سريع. وتشير التحقيقات مع الموقوفين إلى أنّ بعضهم أقرّ صراحة أنّه لجأ بكامل إرادته إلى الموساد، وعرَضَ "خدمات تجسّس"، من خلال التواصل مع الجهاز عبر موقعه الرسمي على الإنترنت.

- ثانياً: دَفعَ انسداد الأفق أمام الطّاقات البشرية وانعدام فرص العمل شريحة واسعة من الشبّان إلى البحث عن فرص عمل خارج البلاد.

أرسلَ ما يُقارب مليون مواطن سيرهم الذّاتيّة خلال هذه الفترة بحثاً عن فرص عمل من دون معرفة الجهة التي يُرسلون إليها، وكان غالبها يصبّ عند الموساد بطريقةٍ أو بأخرى.



تكشف المصادر أنّ أغلب التجنيد والتواصل يحصلان من خلال نقل شرائح هواتف لبنانية إلى الخارج، ثمّ يتمّ تفعيلها داخل لبنان في وقتٍ لاحق. ويستخدم العملاء تطبيقات متنوّعة من أجل التواصل مع المُشغّل

10 آلاف عميل؟

تضمّ السّيَر الذّاتيّة المعلومات الشخصية لطالب الوظيفة من بريد إلكتروني، ورقم هاتف، ومكان النفوس، وعنوان السكن، والتخصّص والتحصيل العلمي وغيرها من المعلومات الأساسية بالنسبة إلى جهاز الاستخبارات لبناء تصوّر عن "ذكاء" العميل المحتمل وقدراته وبيئة تحرّكاته. وقد وفّرت هذه البيانات للأجهزة الإسرائيلية "منجمَ" احتمالات عملاء لا ينضب. وصارَ الموساد يختار من بين هذه السِيَر ما يناسبُ "طلبه" وحاجاته الأمنية. وتواصل بأساليب مُختلفة مع أصحاب السِيَر وكلّفهم بمهامّ متنوّعة. وبحسبة بسيطة، إذا افترضنا أنّ الموساد نجحَ في تجنيد 1% من المليون سيرة ذاتية، فإنّ جهات أمنية تقدّر عدد المجنّدين حالياً بنحو 10 آلاف تمّ تجنيدهم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

كانَ قسمٌ من الذين يُقدّمون خدماتهم للموساد يعلمون من هي الجهة التي يعمَلون لديها، وأمعَنوا مع ذلك في العمالة. بينما كان قسمٌ آخر يُقدّم معلوماتٍ للاستخبارات الإسرائيليّة ظانّاً أنّه يقوم بعملٍ عاديٍّ لشركات إحصاء أو غيرها.

جنّدَ الموساد "عُملاءه الجُدد" بطريقة "الشبكات العنقوديّة"، التي لا يعرفُ أفرادها اللبنانيّون بعضهم بعضاً، وتنحصر معرفتهم بالمُشغّل الإسرائيليّ، الذي غالباً ما يكون خارج فلسطين المُحتلّة. ويتم التواصل بينهم عبر "بريد ميت"، وليس بالتواصل المباشر.

تكشف المصادر أنّ أغلب التجنيد والتواصل يحصلان من خلال نقل شرائح هواتف لبنانية إلى الخارج، ثمّ يتمّ تفعيلها داخل لبنان في وقتٍ لاحق. ويستخدم العملاء تطبيقات متنوّعة من أجل التواصل مع المُشغّل.

في هذا السياق، تُحذّر المصادر من حجم الاختراق الذي حقّقه العدوّ في بيانات شركتَيْ الخلويّ. ولا تستبعد أن يكون الموساد الإسرائيلي قد بات يملك "شركات أعمال" و"Business" في الداخل اللبناني تعمل لصالحه تحت "عناوين مُختلفة".

- ثالثاً: ظهَر في السّنوات الأخيرة تراخٍ غير مسبوق في القضاء، وخصوصاً في المحكمة العسكريّة، في التّعامل مع العُملاء.

تكشف المصادر أنّ القضاء العسكري لم يعد في Mood التشدّد مع هؤلاء بشكل لافت وغير مسبوق. وكان تكرّر الأحكام المُخفّفة ومنع المُحاكمة عن بعض مَن ثبتَ تورّطهم بالعمالة سبباً لأن تصاب الأجهزة الأمنيّة بالذهول.

دأبَت المحكمة العسكريّة على بتّ تلك الملفّات بسرعة غير مألوفة، وإطلاق سراح المتّهمين تحت حجج واهية: مثل "عدم كفاية الأدلّة"، وتارة أخرى بالاستناد إلى "جهل الموقوف" بكونه يعمل لصالح العدو. وتُظهر التحقيقات أنّ كثيراً ممّن أُطلقَ سراحهم كانوا قد أقرّوا في التحقيقات بعلمهم بالتعامل مع الموساد.

يكشف مصدرٌ مطّلع على هذه الملفّات أنّ إحدى الموقوفات اعترفت صراحة بعمالتها لصالح الموساد خلال التحقيق معها في محضر اعترافات يُقارب 100 صفحة، إلاّ أنّ قرار المحكمة العسكريّة بحقّها لم يتجاوز صفحة A4 واحدة... ثمّ خرجت بعد ذلك بسحر ساحر، مع منع مُحاكمة، أي براءة!

إلى هذا الحدّ باتَ لبنان مكشوفاً... وما خفيَ أعظَم.