هل يبقى سعر صرف الليرة مستقراً في المرحلة المقبلة؟ وهل نجح لبنان فعلاً في تجاوز خطر الانهيار النقدي، أم أن الاستقرار الحالي يبقى هشّاً وقابلاً للاهتزاز أمام أي صدمة مالية أو سياسية أو اقتصادية جديدة؟ وما هي المخاطر التي يمكن أن تدفع بسعر الصرف إلى التفلّت مجدداً، بعدما اختبر اللبنانيون خلال السنوات الماضية الكلفة الهائلة للانهيار المتسارع في قيمة العملة الوطنية؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار الأزمة النظامية القائمة، وضعف النمو والاستثمار، وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد موارد جديدة، بالتوازي مع الضغوط الاجتماعية المتزايدة للمطالبة بتحسين الأجور والتقديمات. فاستقرار سعر الصرف لا يرتبط فقط بقدرة مصرف لبنان على إدارة السوق، بل يتأثر أيضاً بالسياسة المالية، وحجم الإنفاق العام، وتدفقات العملات الأجنبية، والتحويلات، والسياحة، والاستثمارات، والثقة الداخلية والخارجية بالاقتصاد اللبناني.
وفي بلد ما زال يعاني من فجوة مالية كبيرة، تصبح المحافظة على الاستقرار النقدي مسألة تتجاوز مجرد تثبيت رقم للدولار. فكل عودة إلى ارتفاع سعر الصرف تعني عملياً تراجعاً جديداً في القدرة الشرائية، وارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات، وتآكلاً إضافياً للرواتب والمدخرات، فيما تكون الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط الأكثر تعرضاً للخسائر.
وفي هذا السياق، يبدو ان السيناريو الذي يؤرّق مصرف لبنان في هذه المرحلة يتعلّق بالانضباط المالي والسياسة النقدية. حتى الآن، سجّلت حكومة نواف سلام أداءً إيجابياً على صعيد الانضباط المالي، إذ لم تنخرط في إنفاق مفرط يتجاوز الإيرادات الضريبية. أمّا على صعيد السياسة النقدية، فقد حافظت الحكومة ومصرف لبنان على تنسيق وثيق لضمان استقرار سعر صرف الليرة مقابل الدولار.
لكنّ الأوضاع آخذة في التغيّر. بعد عامين من الحروب المتقطّعة، وغياب الاستثمارات، وضياع الموسم السياحي، وتراجع التحويلات من دول الخليج وغيرها، وغياب المانحين والداعمين حتى على المستوى الإنساني، يتصاعد الاحتقان الاجتماعي. وقد بدأت التحرّكات مع العسكريين المتقاعدين، ثم أخذت تمتدّ إلى سائر فئات العاملين والمتقاعدين المطالبين بزيادة الأجور وتوسيع الدعم.
إنّ زيادة الأجور بالليرة اللبنانية تعني ارتفاع إنفاق الخزينة وزيادة الكتلة النقدية المتداولة، بما يولّد بدوره ضغوطاً على سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وإذا استمرّت هذه الضغوط على المدى المتوسط، ستتراجع قيمة الليرة أكثر، وتتبدّد بذلك جميع المكاسب المتأتّية من زيادة الأجور. وبعبارة أخرى، ما يحصل عليه العمّال والموظّفون والمتقاعدون من مبالغ إضافية سيخسرونه تلقائياً من قدرتهم الشرائية.
ثمّة قوى تسعى إلى استغلال الأزمتين المالية والمصرفية، اللتين لم يتمكّن لبنان بعد من معالجتهما، لإشاعة الفوضى. فإذا افترضنا أن الناس نزلوا إلى الشارع وأسقطوا الحكومة، فلن تقتصر النتائج على مزيد من التراجع في قيمة الليرة مقابل الدولار، بل ستتوقّف أيضاً المفاوضات مع إسرائيل، وكذلك المناقشات مع صندوق النقد الدولي، وسيعود الاقتصاد النقدي إلى الهيمنة. وعندها يكون حزب الله قد حقّق ما عجز عن تحقيقه في ميدان القتال، وفي البرلمان، من إسقاط للحكومة عبر حجب الثقة عنها.
وفي ظلّ افتقار حزب الله إلى أدوات ضغط سياسية تمكّنه من زعزعة هذه الحكومة، قد يلجأ إلى الورقة الاقتصادية ويستخدمها في الشارع، دافعاً نحو خفض قيمة العملة بفعل الضغوط التضخّمية الناجمة عن زيادات كبيرة في الأجور والدعم. وبذلك يتفادى مواجهة بيئته ومناصريه في شأن أعداد القتلى والدمار الشامل الذي لحق بمنازلهم ومدّخرات أعمارهم.
في الخلاصة، على الحكومة أن تقاوم أي مطلب، حتى لو ارتدى الطابع الشعبي والاجتماعي المحق، وأن تمتنع عن أيّ إجراء من شأنه تقويض الاستقرار النقدي، وإلّا عرّضت نفسها لخطر السقوط تحت وطأة اضطرابات الشارع. أمّا مصرف لبنان، وكما ينقل المسؤولون عن اجوائه، لن يستخدم احتياطاته من العملات الأجنبية للدفاع عن الليرة، إذ ليس من ضمن مهمّته الدفاع عن العملة في مواجهة إجراءات تتّخذها السلطة التنفيذية وتقوّض استقرارها، وبأموال تعود إلى المودعين وليست مخصّصة لدعم سعر الصرف.
استقرار سعر الصرف سيبقى أحد الشروط الأساسية لتجنّب عودة الاقتصاد اللبناني إلى دوامة الانهيار النقدي. لكن الحفاظ عليه لا يمكن أن يقوم على السياسة النقدية وحدها، بل يحتاج إلى انضباط مالي، وضبط للإنفاق، وتأمين تدفقات مستدامة من العملات الأجنبية، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي والمالية العامة، بالتوازي مع معالجة المطالب الاجتماعية بطريقة لا تحوّل كلفة تحسين الأجور إلى موجة تضخمية جديدة.
اللبنانيون اختبروا خلال سنوات الأزمة معنى تفلت سعر الصرف: الأسعار ترتفع بسرعة أكبر من الأجور، والمدخرات تفقد قيمتها، وتصبح القدرة على التخطيط للحياة اليومية أكثر صعوبة. كما أن أي انهيار جديد سيعقّد معالجة ملف الودائع والقطاع المصرفي، ويرفع كلفة الاستيراد، ويضغط على المؤسسات والأسر والدولة في آن واحد. لذلك فإن أولوية الحفاظ على الاستقرار النقدي لا تعني تجاهل المطالب الاجتماعية، بل تفرض إيجاد آليات لتمويل أي تحسين في الأجور والتقديمات من دون خلق ضغوط نقدية تعيد اللبنانيين إلى تجربة الانهيار السابقة

