مهما بلغت أهمية الاستحقاق الرئاسي، ومخاطر إخفاق مجلس النواب بانتخاب رئيس للجمهورية واستمرار الفراغ، تبقى اهتمامات اللبنانيين ومخاوفهم متمركزة في مكان آخر من المشهد اللبناني، فالعيون شاخصة على حاكمية مصرف لبنان، وما يمكن أن يتركه احتمال تسلّل الفراغ إلى منصة حاكم مصرف لبنان، بعد انتهاء ولاية الحاكم الحالي رياض سلامة، وماهية السياسة النقدية الجديدة التي قد يعتمدها الحاكم الجديد.
الحاكمية أوْلى من الرئاسة
وأياً كان خليفة رياض سلامة، أكان حاكماً جديداً للمصرف المركزي أو النائب الأول للحاكم الحالي، فإن خليفة سلامة عليه أن يتلقف كرة نار يصعب احتواؤها. وليست قضايا الفساد وتبييض الأموال ومذكرات التوقيف الصادرة بحق حاكم مصرف لبنان، والميزانيات غير الموثوقة، والديون المتراكمة على مصرف لبنان، وحدها ما يجعل من منصب الحاكمية خطراً في المرحلة المقبلة. فملف منصة صيرفة قد يطيح بسمعة أي بديل عن سلامة، خصوصاً بعد أن تعمّد سلامة ضخ الدولارات عبر منصة صيرفة بشكل سخي في الأشهر الأخيرة من ولايته بهدف لجم ارتفاع دولار السوق السوداء.
وقد ضخ مصرف لبنان ما يقارب 7 مليارات دولار عبر منصة صيرفة خلال الأشهر القليلة الماضية، ما خوّله لعب دور البطولة، وإن كانت بطولة مزيفة على صعيد ضبط سعر صرف الدولار ولجم تصاعده، وإرساء الاستقرار بسعر الليرة اللبنانية. ويستمد دور "البطولة" من منصة صيرفة التي يضخ عبرها مئات الملايين من الدولارات أسبوعياً ومليارات الدولارات شهرياً، محمّلاً مصرف لبنان خسائر يومية نتيجة الفارق بين سعر دولار منصة صيرفة ودولار السوق السوداء. هذا بالإضافة إلى مخاطر استنزاف الدولارات المتوفرة لدى المركزي.
فاللبنانيون قلقون على مصير منصة صيرفة، التي تمكن من خلالها مصرف لبنان من إرساء الاستقرار على سعر الدولار مقابل الليرة، معفياً إياهم من استمرار تدهور القدرة الشرائية وزيادة أسعار السلع وتضخم الأسعار وذوبان رواتب موظفي القطاع العام.
اليوم وبعد أن باشرت بعض المصارف بتعديل سياسة تعاملها مع سحوبات الدولار على منصة صيرفة، ارتفع منسوب القلق بين المستفيدين منها، لاسيما منهم الموظفين. قلق من أن تتوقف عمليات سحب الدولار أو تقنينها في الفترة المقبلة.
مصير المنصة
على الرغم من تقلص أعداد المستفيدين من دولارات منصة صيرفة، غير أن المخاوف تتزايد من تعليق العمل بها، وعدم استمرارها، فيما لو اعتمد حاكم مصرف لبنان المقبل سياسة نقدية مختلفة عن تلك المعتمدة من قبل سلامة.
وبصرف النظر عن تضاؤل جدوى بقاء منصة صيرفة، غير أن الأخيرة مستمرة لما بعد ولاية سلامة، وفق ما يرجّح خبراء مصرفيون لأسباب عديدة. ويعمل مصرف لبنان والسلطة السياسية للتوصل إلى آلية يُعتمد من خلالها سعر دولار منصة صيرفة كسعر موحّد للدولار.
وحسب مصدر من مصرف لبنان، فإن أكثر من نائب لحاكم مصرف لبنان الحالي يتحفّظون على سياسة منصة صيرفة، ويعارضون بشكل مبدئي استمرار عمل المنصة بعد خروج سلامة من مصرف لبنان، "غير أن معارضي المنصة يعلمون مدى خطورة تعليق العمل بها بشكل مفاجئ. وهو ما يدفع إلى ربط عمل المنصة في المرحلة المقبلة بخطة إصلاحية بنيوية، لإعادة النهوض بالقطاع المصرفي والمالي".
ولعل أبرز الأسباب التي تدفع بالبعض الى معارضة آلية عمل منصة صيرفة تعود إلى الخسائر التي يتكبّدها مصرف لبنان لتغطية الفارق بين سعر دولار منصة صيرفة وسعر دولار السوق السوداء. من هنا يرجّح خبراء استمرار العمل بمنصة صيرفة بعد خروج سلامة من المركزي، مع إدراج بعض التغييرات على آلية عملها.
كما من المتوقع أن تُبنى موازنة العام 2023 على سعر دولار منصة صيرفة كسعر موحد للدولار، تُحسب على أساسه الإيرادات والنفقات العامة. وهو أمر أكده أكثر من مرة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي. على أن يتم اعتماد سعر دولار منصة صيرفة في تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية والعديد من الرسوم الأخرى.