معركة تحرير الودائع المحتجزة في المصارف تبدو وكأنها إنطلقت، بعدما حفل المشهد اللبناني المأزوم بسلسلة اقتحامات، بدأت من بلدة الغازية في منطقة صيدا، وصولاً الى بيروت، ومعها تزايدت وتيرة المؤشرات على غياب الدولة وانكفائها عن القيام بدورها، وعلى الإنفجار الاجتماعي ترجمة لهواجس المواطنين من الذهاب الى الفوضى مع الحديث المتوالي عن الشغور الرئاسي.

الحادثة أثارت ضجة على المستوى الوطني، إذ تعتبر الثالثة بعد اقتحام مصرفي «لبنان والمهجر» في منطقة «السوديكو» في بيروت، وفرع بنك MED في عاليه منذ أيام، وقد فتحت الأبواب على مصراعيها على اقتحامات أخرى لمودعين أرادوا الحصول على أموالهم المحتجزة، فامتدّت سريعاً الى مصارف أخرى في بيروت، وقد أكد طلال الخليل باسم جمعية صرخة المودعين أن «ما حصل اليوم هو البداية»... قائلاً «أعيدوا للناس ودائعهم».

«أخذناها»، صرخ المودع محمد رضا قرقماز مبتسماً، وهو يتوجه برفقة عناصر قوى الأمن الداخلي الى مخفر مغدوشة للتحقيق معه، بعدما اقتحم بنك «بيبلوس» في الغازية مع نجله ابراهيم، مهدداً الموظفين بمسدس بلاستيكي وبسكب مادة البنزين وإضرام النار للحصول على وديعته.

الإقتحام، تخلّله هرج ومرج داخل الفرع ولكنه سرعان ما انتهى بأقل من ساعة، بعدما تمكن قرقماز ونجله ابراهيم من الحصول على مبلغ 19200 دولار من وديعته وتسليمه لأحد الأشخاص الذي كان ينتظره خارجاً على دراجة نارية قبل أن يتوارى عن الأنظار، ثم سلّما نفسيهما الى فصيلة درك مغدوشة التي باشرت التحقيقات معهما تحت إشراف النيابة العامة الإستئنافية في الجنوب.

وقرقماز من بلدة عنقون - قضاء صيدا ويعمل سائق أجرة، استخدم مسدساً بلاستيكياً وقنينة بنزين لتهديد المسؤولين على المصرف من دون أن يكون بوارد ايذاء أحد، وإنما هدفه الحصول على وديعته، ولمّا استجابوا له وسلّموه جزءاً منها لم يغادر المصرف بل سلّمها للشخص الذي كان ينتظره خارجاً، رافضاً الإفصاح عن هويته وانتظر هو وصول قوة من فصيلة درك مغدوشة لتسليم نفسه.

وسرعان ما انتشر خبر الإقتحام في بلدته عنقون وكل لبنان، نزل برداً وسلاماً على الناس ولاقى تعاطفاً في ظل حاجة المودعين الى سحب أموالهم المحجوزة في المصارف للصمود بوجه الأزمة المعيشية والاقتصادية الخانقة، وسط الغلاء وارتفاع الأسعار. وعبرت شقيقة قرقماز عن واقع الحال العصيب بكلمات مقتضبة وهي تحمل منقوشة بالجبنة، وقالت «هلق فينا ناكل المنقوشة... منذ ثلاث سنوات ولم نتذوقها، نريد حقوقنا وأموالنا المحتجزة لأننا بأمسّ الحاجة اليها في الأيام السوداء التي نعيشها». وأرخت عمليات الاقتحام على امتداد المناطق بظلالها على المصارف، تابعت إداراتها التفاصيل، وفضل بعضها الإقفال باكراً خاصة في صيدا، وسط مخاوف من أن تكر السبحة ويأتي دورها لاحقاً، فـ»الغضب والحاجة لا يوفران أحداً لا في مصرف ولا في منطقة»، يقول محمد أبو دقة لـ»نداء الوطن»، ويتابع: «كان لازم من الأول يعملوا هيك، يجب الضغط على إدارة المصارف بأي طريقة للحصول على حقوقهم وأموالهم، إنها جنى الاعمار ولن تتكرر عملية توفيرها مرة جديدة في بلد ينهار وما قيمتها اذا لم تستخدم وقت الحاجة التي تولد الغضب وتترجم بالاقتحام».

وتقول «أم علي» بيضون لـ»نداء الوطن»: «نحن ضد القوة والعنف ولكنهم لم يتركوا للمودعين خيارات أخرى، بعضهم مات بصمت بأزمات قلبية وبعضهم الآخر يواجه خطر الموت، وبعضهم الثالث أصبح كالشحاذ على أبواب المصارف يستجدي ماله المحتجز... ونخشى من طوفان قادم».

وعلمت «نداء الوطن» أن مصارف اتخذت قرارات فورية بمنع دخول أكثر من ثلاثة مودعين فقط الى المصرف، مع زيادة عدد الحراس، بعضها بدأ يدرس الحماية الذاتية، فيما تسود الموظفين حالة من البلبلة والإرباك والتملل.