وصية مصطفى سعد.. الانتصار لفلسطين والانحياز لقضايا الكادحين (بقلم طلال ارقدان)

ثمة يومان فقط يفصلان بين الذكريين، ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة التي فجرها جمال عبد الناصر وذكرى رحيل القائد الناصري مصطفى معروف سعد في الخامس والعشرين من العام 2002، وكأن ابا معروف شاء بارتحاله توكيد انتمائه الراسخ الى الناصرية فكرا ونضالا وممارسة، كيف لا وهو الذي شكل في حياته انموذجا في الكفاح والعطاء وانحيازا الى جانب الفقراء والكادحين حاملا لمطالبهم المشروعة في حياة عزيزة كريمة تماما كما بشرت بذلك ثورة يوليو المجيدة منتصف القرن الماضي.

مصطفى سعد ، وتعود بي الذاكرة الى سنوات غابرة رافقته بها عن قرب، تعلمت منه الكثير من الدروس والعبر وايقنت معه ان الثبات في الموقف والعناد في الحق هما الطريق الوحيد الى انتزاع الحقوق المشروعة ، فكيف اذا كانت تلك الحقوق متصلة بالقناعات الفكرية والثوابت السياسية ، لقد كان ابو معروف ثابتا في قناعاته بالانحياز الى فلسطين بوصفها قضية العرب المركزية وبأن الهوية العربية تبقى ملتبسة وغير مكتملة الملامح اذا ما بقيت فلسطين خارج الجغرافية السياسية للامة ومركز النضال القومي العربي الذي يجب ان توجه اليه كل طاقات الامة وقدراتها من اجل تحقيق هدف تحريرها كاملة من النهر الى البحر، لهذا كان يرى من الضروري توحيد البنادق اللبنانية الفلسطينية والعربية عموما خدمة لهذا الهدف الاستراتيجي النبيل ، وما احتضان صيدا للنضال المشترك اللبناني الفلسطيني الا تأكيد على هذه الثوابت الراسخة في وجدان الناصريين والوطنيين حتى استحالت صيدا العربية كما ارادها ابو معروف عاصمة الشتات الفلسطيني والحضن الدافئ لثورتها وفدائييها ، والمدافعة الاولى عن حق الشعب الفلسطيني بالنضال بمختلف اشكاله في سبيل تحريرفلسطين، كيف لا وهو الذي قال كلمته المدوية: سنحمي الشعب الفلسطيني بأشفار عيوننا، وذلك في مراحل استهداف المخيمات الفلسطينية وفصائلها وقواها المختلفة ومحاولة منعها من ممارسة نضالها المشروع على طريق فلسطين. ارتحل ابو معروف قبل عشرين عاما من اليوم، لكنه في رحيله اشد حضورا بيننا ، لا سيما ونحن نعيش حالة الاهتراء العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسببت به عصابات النهب المنظم المكونة للطبقة السياسية الحاكمة بمختلف اتجاهاتها وانتماءاتها،وهو انهيار كان يحذر منه مصطفى سعد وهو الذي كان بحسه الوطني واستقرائه لطبيعة التكوينات السياسية اللبنانية الممثلة للطوائف من جهة وفهمه لطبيعة النظام الطائفي الحامي للمافيات الطائفية من جهة ثانية، كان موقنا ببلوغ هذا الانهيار دون ان يستشرف موعده على نحو دقيق، لذلك نراه لم يوافق على اي من موازنات الحكومات المتعاقبة التي كانت تستبطن توزيع المغانم والحصص بين قوى الطوائف، مع استثناء وحيد في مرحلة حكومة الرئيس الوطني سليم الحص، لا بل كان في كل مواقفه يعلي الصوت محذرا من مخاطر الاختناق الاقتصادي وانسداد الافق امام اي مخارج حقيقية للازمة الاقتصادية الاجتماعية لطالما استمرت سياسة النهب المنظم للموارد المالية المحدودة لا سيما في ظل سياسات التوسع في الاستدانة لمعالجة العجز في الموازنات الناجم عن النهب المنظم ،حتى كانت الكارثة التي نعيش تداعياتها اليوم بانعكاساتها الحادة الخطير ة على مختلف فئات الشعب اللبناني.

في ذكرى رحيلك العشرين عهد لك منا ان نبقى على نهجك ومبادئك مستلهمين من صلابتك وعنادك ثباتنا على استكمال طريقك بالانحياز الى فلسطين والنضال في سبيلها حتى تتحرر كاملة دون انتقاص مدينين مشاريع الهرولة العربية نحو التطبيع مع العدو ، كما وان نبقى منحازين لقضايا الفقراء والكادحين مدافعين عن حقوقهم في حياة كريمة لائقة.