مدمنو المخدرات يتضاعفون: مساحات الحشيش تتوسع والكبتاغون ينتشر

ارتفعت المساحات المزروعة بالمخدرات في لبنان بنسبة 10 في المئة عن السنة الماضية، وفق ما أكد مزارعون في البقاع لـ"المدن". وهذه النسبة تتوافق مع تقارير الأمم المتحدة التي أشارت مؤخرًا إلى تضاعف إدمان المخدرات في لبنان، مرتين وأكثر في العامين الماضيين.

زراعة الحشيشة

تاريخيًا، بدأ لبنان بزراعة القنب الهندي أو حشيشة الكيف عام 1930 وقد بلغت هذه الزراعة ذروتها وأضيف إليها زراعة الأفيون خلال الحرب الأهلية، نتيجة للفوضى العارمة. وقد وُصفت هذه المرحلة بـ"العصر الذهبي للمخدرات في لبنان". لكن ما هي أسباب ارتفاع نسبة زراعة المخدرات في الوقت الحالي؟

بدايةً، يرفض المزارعون توصيف القنب الهندي أو حشيشة الكيف بالمخدرات، ويضعونها ضمن قائمة "النباتات الممنوعة من الزرع". ويذكرون أن البرلمان اللبناني شرّع بقانون السماح بزراعة الحشيشة لأغراض طبية وصناعية، لكنه لم يعطِ الموافقة النهائية بعد. وبالتالي القانون ليس نافذًا حتى الآن.

وشرح المزارعون أن السبب الأساسي لارتفاع زراعة القنب الهندي أو الحشيشة في الفترة الأخيرة يعود إلى أنه تحوّل إلى تجارة مربحة جدًا في ظل التضخم المالي وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة اللبنانية. و"هناك تعويل على استهلاك السوق الداخلية بشكل كبير". ويضيف المزارعون أن تُجار المخدرات يبيعون ويصدرون المواد المخدِرة المزروعة بالدولار الأميركي الفريش. ما يُكسبهم أموالًا طائلة نتيجة الفارق الكبير في سعر الصرف. والتضخم المالي حرّك سوق المخدرات.. كان التجار يبيعون القنطار الواحد بحدود 300 دولار بربح 450 ألف ليرة، بينما الآن أصبح القنطار الواحد بالملايين.

ويتفق المزارعون على أن زراعة الحشيشة هي الأكثر ربحًا مقارنةً بالزراعات التقليدية كالبطاطا والثوم وغيرها. لكنهم أشاروا إلى مشاكل لوجستية تتعلق بالري وتأمين الكهرباء وتكاليف اليد العاملة. ولهذا السبب يتجه بعض التجار إلى صناعة الكبتاغون التي تدر عليهم ملايين الدولارات.

أما عن المساحات المزروعة من حشيشة الكيف في لبنان، فكانت تُقدر قبل توسعها 10 في المئة، بحوالى 35 ألف دونم، ومركزها في شمال سهل البقاع، في السهول الممتدة من قرى غرب بعلبك إلى جرود الهرمل.

مواد متطايرة للفقراء

يتوزع استهلاك المواد المخدِرة بمختلف أنواعها في لبنان حسب الطبقات الاجتماعية ونوع المادة وسعرها. وتنتشر في الأحياء الفقيرة مواد زهيدة السعر تسمى"المواد المتطايرة" كالتنر والسالفيا إضافة إلى مواد على شكل حبوب مهدئة للأعصاب مثل "الترامال" و"الترامادول". وتفشّت مادة السالفيا منذ سنوات قليلة فقط وهي مادة مستخرجة من نبتة (سالفيا ديفينوروم) استخدمتها قبائل عدة في السابق كعقار روحي، وموطنها الأصلي جنوب شرقي المكسيك.

لكن تُجار السُّم في لبنان يقومون بخلط تلك المادة بمواد أخرى ما يجعلها أكثر خطورةً، ولها تأثير سريع على الجسم. إذ يتحول مستخدمها من متعاطٍ ظرفي إلى مدمن خلال فترة قصيرة. وتتفشى ظاهرة تعاطي مواد الكبتاغون والهيروين وحشيشة الكيف وحبوب الـ"بنزيكسول" في المناطق الفقيرة، وخصوصًا في طرابلس.

أسعار وطبقات

وعن الكلفة الاقتصادية لأنواع المواد المخدّرة الأكثر استخدامًا في لبنان، قبل التضخم المالي وبعده، أشار رئيس عام جمعية "جاد: شبيبة ضد المخدرات"، جوزيف حواط، إلى أنه في السابق، كان يبلغ سعر حبة الكبتاغون 500 ليرة لبنانية. وهي صناعة لبنانية بالتعاون مع تجار سوريين. وبعد التضخم ارتفع سعرها إلى 5 آلاف ليرة للمستخدمين المحليين. أما في الخليج، وتحديدًا السعودية، فيصل سعر حبة الكبتاغون حاليًا إلى 20 دولاراً. وللكبتاغون أصناف منها "رأس الحصان" وهو الأغلى، بسبب احتوائه على نسبة عالية من الأمفيتامين، مقابل نسبة أقل من الكافيين الأبيض، ثم صنف "الهلالين" وهو الأرخص سعراً.

مادتا الهيروين وحشيشة الكيف التي تزرع في لبنان، سعرهما مقبول نسبيًا قبل التضخم المالي وبعده، إذ يتراوح سعر غرام الهيروين حاليًا ما بين 100 و150 ألف ليرة لبنانية. بعدما كان سعره حوالى 30-40 ألف ليرة قبل التضخم. أما الحشيش فيتراوح سعر الغرام ما بين 50-60 ألف ليرة في الوقت الحالي، بمعدل زيادة 20 ألف ليرة عن السابق.

أما مادة الكوكايين فهي مستوردة من أميركا اللاتينية وكولومبيا وغيرها، ما يجعلها الأغلى سعرًا بالدولار، ويشيع استخدامها في المناطق الأكثر ثراءً. يصل سعر الغرام الواحد منها قبل التضخم حوالى 80 دولاراً. ويصل اليوم إلى حوالى 140 دولارًا وأكثر، حسب حواط. والمدمن قد يحتاج إلى 3-4 غرامات من الكوكايين في اليوم الواحد. أما حبوب "إكستازي" فلا تفرق بين فقير وثري، وتوزع في الحفلات الراقصة والملاهي الليلية، وسعرها مقبول.

العلاج البديل

تؤكد الأخصائية والمعالجة النفسية دونيز فارس في مركز "سكون" العلاجي من المخدرات والإدمان، أن بعض المستفيدين من خدمات المركز للشفاء من الإدمان على مواد الأفيون ويتابعون العلاج البديل، لجأوا مجددًا إلى استخدام الأفيونيات وغيرها من المواد، كالأدوية المهدئة والكحول والحشيش، نتيجة الحد من توزيع الأدوية البديلة، وعدم القدرة على استيرادها بالكمية المطلوبة. وتلفت فارس إلى أن العلاج البديل يساعد هؤلاء على العيش بشكل شبه طبيعي. فهم يذهبون إلى عملهم ويقومون بنشاطات الحياة اليومية ويهتمون بعائلاتهم. وقد أدى انقطاع أدوية العلاج البديل إلى تداعيات سلبية على حياتهم. فمنهم من عانى من انتكاسات ونوبات صحية. وبعضهم لجأ إلى استخدام المواد الأفيونية من جديد.

وتعتبر فارس أن جهود الجمعيات المعنية بتأمين كميات من الدواء البديل ساعدت على تخفيف نسبة الانتكاسات. لكن الجرعات المؤمنة لم تكن كافية نسبيًا لتغطية العلاج بالكامل. وفرض الواقع الجديد تخفيف جرعات الأدوية للمرضى كوسيلة للتخفيف من وطأة الرضّة التي أحدثها انقطاع الادوية.

إدمان متجدد

وأشارت فارس إلى أن الاضطرابات والقلق أديا إلى الإفراط في استخدام مواد أخرى مخدرة من أشخاص لا يعانون أساسًا من مشكلة إدمان. ومن هذه المواد الأدوية المهدئة والكحول والحشيش. وتشهد مراكز علاج الإدمان زيادة في استخدام مادتيْ "كريستال ميث" و"الجي اتش بي". وهي مواد منشطة وقد تُستعمل لأهداف جنسية وتحفيز الرغبة بممارسة الجنس، وسرعان ما يدمن عليها متعاطوها.

وتقول فارس إن الأزمة اللبنانية ليست المسبب الأول للإدمان عند البعض، بل هي تلعب دور محفّز لأشخاص لديهم قابلية للإفراط في استخدام مواد مهدئة أو مخدّرة. وهذا يؤدي إلى الإدمان.

سوق سوداء

وأدى انقطاع الدواء البديل للمواد الأفيونية إلى بروز سوق سوداء. فوصل سعر حبة دواء واحدة إلى 200 ألف ليرة لبنانية! وتسبّب التضخم المالي بإحداث فارق كبير في الكلفة الاقتصادية للعلاج. في السابق بلغت كلفة علبة الدواء الواحدة ما يعادل 30 ألف ليرة لبنانية. أما الآن فقد وصل سعرها إلى 110 آلاف ليرة لبنانية. والمريض يحتاج إلى 4 علب أدوية شهريًا. تقول فارس إن الدخل المادي لعدد من المرضى ضئيل جدًا. وهذه الفئة لن تستطيع شراء أدوية العلاج البديل.

ولا يقتصر الإدمان في لبنان على المواد الأفيونية والمواد المخدِرة فحسب. بل هناك أشكال مختلفة للإدمان تفشّت خلال الأزمة اللبنانية، خصوصًا جراء نسبة بطالة تجاوزت 50 في المئة. ومن تلك الأشكال الإدمان على الانترنت والسوشيال ميديا والفيديو غايمز والمراهنات الخفيفة. وهذه ليست أقل ضررًا من الإدمان على المخدرات، وفق فارس.

وفي ظل استمرار الأزمة اللبنانية وتداعياتها على مجمل القطاعات والفئات المجتمعية، وخصوصًا الضعيفة والمهمشة، هناك مخاوف من انقطاع أدوية العلاج البديل للإدمان بشكل نهائي. تقول فارس: "تلقينا تطمينات بأن هناك شحنة أدوية مستوردة آتية، لكن ليس من حل جذري حتى الآن".