"دليفري الدواء"، عبارة تصف السوق الحالي للدواء في لبنان، بدقة، بعدما عجزت الكثير من الصيدليات عن تأمين الأدوية بالطرق الشرعية، بسبب الأزمة الاقتصادية. ودليفري الدواء، يستفيد من مواقع التواصل الاجتماعي لعرض الإعلانات والتسويق، فمجموعات المحادثة على مواقع التواصل، مزدحمة بإعلانات تأمين الأدوية من مصر وتركيا وسوريا، خلال 48 ساعة. وبالتأكيد، لا رقابة على هذه "الخدمات"، ما يجعلها تجارة غير شرعية مزدهرة. ومع أن هذه التجارة نشطت مع بداية الأزمة في لبنان، إلاّ أنها مستمرة ولا يبدو أنها ستنقطع في القريب العاجل، خصوصاً وأن الدولة اللبنانية غير قادرة على ضبط انفلات السوق.
تجارة رابحة
يعاني جورج خوري (40 عاماً) من مرض الصدفيّة الذي يسبّب طفحاً جلدياً. ولم يتمكّن خوري من الحصول على الدواء المناسب في لبنان. "فوصف الطبيب دواءً بديلاً موجوداً في تركيا. ولم يكن أمامي سوى الاتصال بأحد مروّجي إعلانات الدواء، الذي وعدني بتأمينه خلال يومين"، يقول خوري في حديث لـ"المدن".
المفاجأة بحسب خوري، تجلت في سعر الدواء، إذ "وصل سعره إلى 93 دولاراً، يضاف إليه دولارين بدل توصيل، فيصبح سعر النهائي 95 دولاراً، في حين أن سعر الدواء الأساسي في تركيا لا يتعدى 5 دولارات". وتأكّدَ خوري من ذلك عبر البحث على صفحات الأنترنت.
يأسف خوري للتلاعب بالأسعار إلى هذا الحد "خصوصاً وأن الدواء سيدخل إلى لبنان من دون دفع أي رسوم جمركية، إذ تبيّن بأن صاحب إحدى الإعلانات المروِّجة لبيع الأدوية، لديه بالأصل شركة متخصّصة بالنقليات، ويُدخِل الأدوية خلال تنقّلها، أي يُدخِلها بطريقة غير شرعية".
ماهية الشركات
حاولت "المدن" الاتصال بإحدى الشركات الناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي والمتخصصة ببيع الأدوية، وتبين بأن الشركة تستقبل الطلبات عبر الهاتف ومن خلال تطبيق "الواتسأب"، ولا يتطلب الأمر أكثر من مجرد إرسال نسخة عن الهوية واسم الدواء، وخلال 10 دقائق، يتصل أحد الموظفين بالمريض لإعطائه تفاصيل وصول الدواء وسعره النهائي. ويمكن شراء كميات كبيرة من الأدوية ومن جميع الأصناف من دون مراعاة وجود أي تقرير طبي. أما بالنسبة إلى كيفية الحصول على الدواء، فيتم إيصاله في مدّة تتراوح بين 24 إلى 48 ساعة، ويتطلب تسديد ما بين دولارين إلى خمس دولارات، لتوصيل الدواء لجميع الأراضي اللبنانية.
لا يستغرب نقيب الصيادلة جو سلوم ما يحصل في الأسواق اللبنانية في ظل غياب الرقابة. ويقول لـ"المدن" إن ما يتم تداوله من عملية بيع للأدوية على الأراضي اللبنانية "يُعد عملية تزوير بإمتياز، كما أنها تعتبر غير شرعية خصوصاً وأن القوانين اللبنانية نظمت عملية بيع وتجارة الأدوية. وبالتالي، من يقوم بهذا العمل يخالف القوانين المرعية".
لا تتعلّق المسألة بمخالفة القوانين، بل تتعداها إلى المخاطر المرتبطة بالدواء، إذ "تحمل عملية بيع الأدوية بالطرق غير المرخصة، الكثير من المخاطر، أولها، يتعلق بصحة المريض. إذ من غير المعروف أو المؤكد ما إذا كانت هذه الأدوية مرخصة أم لا، أو حتى أدوية منتهية الصلاحية وهناك من يقوم بتزويرها، أو حتى إن كانت هذه الأدوية مزورة أصلاً، ولا تحتوي على التركيبة الكيميائية لعلاج الأمراض".
ووفق سلوم، فإن ما يحصل في الأسواق اللبنانية، "جاء نتيجة تحكم بعض المافيات بالأسواق". ولأن "ما يتعلق بصحة الإنسان يعد خطاً أحمراً، تحركت نقابة الصيادلة وتقدمت بدعوى في النيابة العامة الاستئنافية والنيابة العامة المالية بصفة الادعاء الشخصي ضد الشركات والأشخاص الذين يقومون ببيع هذه الادوية أو الترويج لها".
إغراق الأسواق اللبنانية
إلى جانب دليفري الدواء من الخارج، راجت في لبنان تجارة أخرى تعرف بتجارة "أدوية الشنطة"، حيث يقوم شبّان بتوزيع الأدوية، عبر زيارة بعض الأطباء والصيادلة، عارضين تأمين ما يلزم من الأدوية المفقودة من السوق بكميات هائلة، على أن تكون هذه الأدوية من مصادر مختلفة، أبرزها تركيا، مصر وسوريا.
بحسب العاملين في القطاع الصحي، تزدهر هذه التجارة مدفوعة بعدم قدرة الكثير من المرضى على انتظار العلاج وتأمين الأدوية بطريقة شرعية، فيلجأون إلى هذا الخيار مجبرين، وتحديداً المصابون بأمراض مزمنة مثل جويل شاهين مثلا، التي تقول في حديث لـ"المدن" إنها اضطرّت إلى "شراء أدوية تتعلّق بالصحة النفسية لوالدتها، بالإضافة إلى مسكِّنات، من خلال تجار أدوية يعملون على خط بيروت - القاهرة". وصلت شاهين إلى هؤلاء التجّار عبر "الإعلانات التي يتم عرضها عبر صفحات التواصل الاجتماعي. وحتى الآن، لا تزال شبكات توزيع الأدوية تنشط كثيراً، ويتّصل الكثير من مندوبي الأدوية لعرض خدماتهم بعد أن بات رقم الهاتف معروفاً بين هؤلاء التجّار".
استغلال الأزمات في قطاع الأدوية ليس مستجداً، لكن الغريب هو استمراره بلا إجراءات رقابية. والأخطر، أنه تحوَّلَ إلى سوق أمر واقع، شأنه شأن مولّدات الكهرباء والسوق السوداء للدولار وغيرها من الأسواق الموازية التي نشأت وتطوَّرَت بفعل غياب الدولة.