لم يعد الخلاف حول قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان يدور فقط حول مقدار ما يمكن أن يسترده المودعون من أموالهم، أو حول نسبة الخسائر التي سيتحملها كل طرف. خلف هذه المعركة سؤال أقل ظهورًا لكنه ربما أكثر أهمية: من سيعيد بناء القطاع المصرفي، وبأي معايير، وتحت أي رقابة، ولحساب أي اقتصاد؟
فإعادة هيكلة المصرف المتعثر شيء، وإعادة بناء النظام المصرفي شيء آخر. الأولى عملية قانونية ومالية يمكن أن تبدأ بقرار من هيئة ناظمة، وتقييم مستقل، وتصفية أو دمج أو إعادة رسملة. أما الثانية فتتطلب إعادة تأسيس الثقة، وإصلاح الحوكمة، وتغيير العلاقة بين المصرف والمودع والدولة، وإقناع أصحاب رؤوس الأموال الجدد بأن لبنان لم يعد المكان الذي يمكن فيه نقل المخاطر إلى المجتمع عندما تنتهي دورة الأرباح.
وهنا تظهر أهمية القانون الذي أقره البرلمان. فهو لا يكتفي بوضع قواعد للتصفية، بل يمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات واسعة جدًا في إدارة المصارف التي تدخل مسار الإصلاح، من تغيير مجالس الإدارة والإدارة العليا إلى تعديل هيكل الملكية، وفرض بيع بعض الأصول أو وقف أنشطة، وتعديل آجال استحقاق المطلوبات والودائع والفوائد، وصولًا إلى دمج المصرف أو تحويل بعض موجوداته ومطلوباته إلى مؤسسة أخرى.
هذه الصلاحيات مفهومة من زاوية إدارة الأزمات. مصرف على وشك الانهيار لا يحتمل أسابيع من المفاوضات مع مساهمين وإدارة فقدت ثقة السوق. وفي النظام الحديث لحل الأزمات المصرفية، توجد بالفعل سلطات خاصة قادرة على التدخل السريع عندما يصبح استمرار المصرف مهددًا للاستقرار المالي.
لكن لبنان ليس دولة تدخل هذا المسار من موقع القوة. إنه يدخل إليه بعد انهيار مصرفي غير مسبوق، وبعد سنوات من القيود غير الرسمية على الودائع، وبعد انهيار الثقة بالدولة ومصرف لبنان والمصارف معًا. لذلك، فإن الصلاحية الاستثنائية التي قد تكون مقبولة في بلد مستقر تحتاج في لبنان إلى قدر أكبر من الشفافية والمساءلة.
المشكلة هنا ليست في منح الهيئة المصرفية العليا أدوات قوية، بل في السؤال الذي يسبق استخدامها: هل توجد ضمانات كافية تمنع استخدام هذه الأدوات بطريقة تعيد إنتاج التوازنات القديمة داخل القطاع؟
هيئة قوية... ولكن لمن تكون المساءلة؟
أدخل القانون تعديلًا لافتًا على بنية الهيئة المصرفية العليا، فقسّمها إلى غرفتين، الأولى للعقوبات، والثانية للقرارات المتعلقة بإصلاح المصارف أو تصفيتها. وتضم الغرفة الثانية حاكم مصرف لبنان ونائبين للحاكم ومدير المالية العام وقاضيًا، إضافة إلى خبير مالي وخبير اقتصادي مستقلين. كما يحضر رئيس لجنة الرقابة على المصارف الاجتماعات دون حق التصويت، ويقدم تقويمًا عن المصرف موضوع البحث.
ويحسب للنص أنه لم يترك مسألة تضارب المصالح للنيات الحسنة. فقد ألزم أعضاء الهيئة بالتصريح عن مصالحهم، ومنع المشاركة في القرارات عند وجود علاقة يمكن أن تؤثر في استقلال القرار، كما وضع اختبارات محددة للاستقلال تشمل المساهمة في المصرف، والعمل السابق في إدارته، والاقتراض منه، ووجود ودائع تتجاوز 100 ألف دولار، وروابط القرابة مع المساهمين والإدارة.
هذه خطوة إصلاحية مهمة، لكنها لا تحسم المسألة كلها.
فالاستقلال المؤسسي ليس مجرد قائمة ممنوعات. قد لا يكون العضو مساهمًا في مصرف، لكنه قد يكون مرتبطًا بعلاقات مهنية أو سياسية أو مؤسساتية تؤثر في القرار. لذلك فإن المعيار الحقيقي للاستقلال يجب ألا يقتصر على السؤال: «هل يملك العضو مصلحة مباشرة؟»، بل يمتد إلى سؤال آخر: «هل يستطيع الجمهور أن يثق بأنه لا توجد جهة خارجية قادرة على التأثير في قراره؟».
وهذه المشكلة تكتسب حساسية خاصة في لبنان لأن مصرف لبنان والهيئات الرقابية كانت جزءًا من البنية التي سبقت الانهيار. ولا يعني ذلك تحميل الأشخاص الحاليين مسؤولية القرارات السابقة، لكن الإصلاح الجدي يحتاج إلى مسافة مؤسساتية واضحة بين مرحلة ما قبل الانهيار ومرحلة ما بعده.
وهنا يلتقي النص اللبناني مع تجربة دولية أكثر تشددًا في توزيع الوظائف. فالقواعد الأوروبية لحل المصارف قامت على إنشاء سلطات متخصصة في الحلول لها صلاحيات مستقلة للتدخل، وعلى الفصل بين الرقابة المستمرة وبين القرارات التي تتخذ عند فشل المصرف أو اقترابه من الفشل. كما أن تطبيق الـbail-in محكوم بترتيب قانوني وبمبدأ عدم جعل الدائن في وضع أسوأ من التصفية.
أما صندوق النقد، فلم يكتفِ بالمطالبة بإقرار القانون، بل شدد في شباط 2026 على ضرورة أن تكون استراتيجية إعادة هيكلة المصارف متوافقة مع المعايير الدولية، وقابلة للتطبيق ماليًا، ومنسجمة مع استدامة الدين العام، وأن تضمن عدم تحميل المودعين الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.
وهذا يقود إلى نتيجة واضحة: قوة الهيئة ليست مشكلة في حد ذاتها؛ المشكلة أن كل قوة تحتاج إلى مرآة رقابية تقابلها.
إعادة الهيكلة ليست مجرد دمج مصارف، فثمة خطر آخر قد لا يظهر مباشرة عند قراءة النص: أن تتحول إعادة الهيكلة إلى عملية حسابيّة هدفها تقليص عدد المصارف وإعادة رسملة عدد محدود منها، ثم إعلان انتهاء المشكلة.
القانون يتيح بالفعل إعادة تكوين رأس المال وإدخال مستثمرين جدد، وتحويل بعض الموجودات والمطلوبات إلى مؤسسة أخرى، وإجراء عمليات دمج. وهذه أدوات طبيعية لإنقاذ المصرف القابل للحياة. لكن السؤال ليس كم مصرفًا سيبقى، بل أي نوع من المصارف سيبقى؟
لبنان قبل الأزمة كان يمتلك قطاعًا مصرفيًا واسعًا قياسًا إلى حجم اقتصاده، لكنه كان شديد الارتباط بتمويل الدولة وبمصرف لبنان. وكان اعتماد النموذج المصرفي على تدفق الودائع واستقطاب الأموال من الخارج، ثم توظيفها في الدين العام وأدوات مصرف لبنان، أحد عناصر الخلل البنيوي الذي جعل الانهيار كارثيًا عندما انقطع تدفق الأموال.
إذا جاءت إعادة الهيكلة لتعيد توزيع المصارف نفسها، وبالمساهمين أنفسهم أو المصالح نفسها أو العقلية نفسها، فلن يكون الأمر إصلاحًا حقيقيًا. سيكون مجرد إعادة ترتيب للمشهد.
من هنا تكتسب أحكام القانون المتعلقة بالمسؤوليات السابقة أهمية استثنائية. فهو يسمح بملاحقة كبار المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة والإدارة العليا ومفوضي التوقيع ومفوضي المراقبة الذين شغلوا مناصبهم خلال السنوات العشر السابقة عند وجود أسباب معقولة للاشتباه بمخالفة مدنية أو جزائية، كما يمنح صلاحية استرجاع أموال دفعت خلافًا للقانون أو لمبادئ الحوكمة.
وهذا الباب يجب أن يُستخدم، لا أن يبقى حبرًا في القانون.
فالرسالة التي يحتاجها المستثمر الجديد ليست فقط أن لبنان يسمح له بشراء مصرف متعثر، بل أن قواعد السوق تغيّرت وأن من أخطأ لا يستطيع أن يعود ببساطة إلى اللعبة تحت اسم جديد أو عبر هيكل ملكيّة مختلف.
القانون يذهب في هذا الاتجاه عندما يسمح للهيئة بإعادة تنظيم هيكل الملكية، ويضع شروطًا لتقييم أهلية المساهمين الجدد وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا. لكن التطبيق سيكون الاختبار الحقيقي.
فالمستثمر الذي يعيد رسملة مصرف يجب أن يأتي بأموال حقيقية لا بأموال مستعارة، وأن يملك خطة أعمال قابلة للحياة، وأن يخضع لمتطلبات ملاءة وسيولة وحوكمة واضحة. وإلا فإن إعادة الرسملة ستتحول إلى عملية تجميل لميزانية مصرف لم يتغير في جوهره.
المصرف الجديد يجب أن يخدم الاقتصاد لا الدولة، ربما تكون هذه هي الزاوية التي لا تحظى بما يكفي من النقاش العام.
إعادة بناء القطاع المصرفي ليست غايتها إعادة المصارف إلى ما كانت عليه قبل 2019. ذلك النموذج لم يعد قابلًا للحياة. لبنان يحتاج إلى مصرف مختلف، تكون مهمته الأساسية الوساطة المالية وتمويل الاقتصاد، لا تمويل الدولة بعوائد مرتفعة، ولا تحقيق الأرباح من الفوارق المالية والنقدية.
صحيح أن القانون يركز على الاستقرار واستمرارية الوظائف الأساسية للمصارف، لكنه لا يستطيع وحده تحديد النموذج الاقتصادي الذي سيعمل فيه القطاع بعد انتهاء الإصلاح. وهنا ينبغي أن يأتي قانون الانتظام المالي والسياسات النقدية والمالية بالتوازي مع إصلاح المصارف. ويؤكد صندوق النقد أن إصلاح المصارف يجب أن يكون جزءًا من إطار مالي متوسط الأجل يعيد الاستدامة إلى الدين العام، وليس مسارًا منفصلًا عنها.
والواقع الحالي يكشف حجم التحدي. فقد بقي الإقراض المصرفي للاقتصاد محدودًا بعد الانهيار، فيما أصبحت القروض الجديدة انتقائية للغاية، وتواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في الحصول على التمويل، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
المصرف الذي سيخرج من إعادة الهيكلة يجب أن يعود إلى تمويل الشركات والأفراد والمشروعات المنتجة، لا إلى إعادة إنتاج علاقة التبعية بين المصارف والدولة.
وهذا يقتضي تشريعات مرافقة في الحوكمة والائتمان وتضارب المصالح والإفصاح وتركيز الملكية، فضلًا عن سياسة نقدية مستقرة تسمح للمصارف بالتخطيط بعيدًا عن المضاربات.
ومن المهم أيضًا ألا تتحول عملية دمج المصارف إلى تركّز مفرط. قد تكون السوق بحاجة إلى عدد أقل من المصارف، لكن المصرف الكبير جدًا قد يصبح في النهاية أكبر من قدرة الدولة على إنقاذه إذا أخطأ. لذلك فإن معيار النجاح ليس عدد المصارف بعد إعادة الهيكلة، وإنما توازن الحجم مع القدرة على الرقابة والمنافسة والتمويل.
وفي الولايات المتحدة، مثلًا، تقوم إدارة فشل المصارف على منظومة مؤسساتية متخصصة في الحل والتصفية وحماية الودائع، فيما يمكن للـFDIC أن يتولى أصول ومطلوبات المصرف الفاشل وأن يدفع الودائع المؤمنة ضمن النظام المعتمد. أما في أوروبا، فقد تطورت القواعد باتجاه تعزيز أولوية المودعين فوق المطالبات العادية غير المضمونة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا للدور الاقتصادي والاجتماعي للودائع. وقد أقرت المنظومة الأوروبية الحديثة مبدأ أولوية عامة للودائع بهدف تعزيز الثقة وتقليص مخاطر سحب الودائع الجماعي.
لبنان يحتاج إلى التعلم من هذه التجارب، لا إلى نسخها. فالقطاع المصرفي اللبناني سيعمل في اقتصاد مختلف، وتوازنات مالية مختلفة، وثقة عامة شبه مفقودة. لكن القاعدة المشتركة واضحة: لا يمكن بناء مصرف سليم بقواعد قديمة وحوكمة قديمة وثقة قديمة.
في النهاية، يبدو قانون إعادة الهيكلة أقرب إلى بداية عملية طويلة منه إلى خاتمتها. وقد أقر البرلمان النص وسط نقاش سياسي واقتصادي واسع، فيما رحب صندوق النقد بمروره باعتباره خطوة مهمة، لكنه شدد على أن الاختبار الحقيقي هو التنفيذ والتوافق مع الإصلاحات الأخرى.
وهذا الاختبار يبدأ من المؤسسات.
إذا كانت الهيئة المصرفية العليا مستقلة فعلًا، وإذا كان التقييم شفافًا، وإذا جرى تنظيف الميزانيات من الخسائر المخفية، وإذا تحمل المساهمون والمسؤولون الخسائر التي تقع عليهم قانونًا، وإذا دخل مستثمرون جدد بأموال حقيقية، وإذا حصل المودعون على حقوق واضحة، عندها يمكن أن تتحول إعادة الهيكلة إلى نقطة فاصلة بين مصرف لبنان القديم ومصرف لبنان الجديد.
أما إذا اقتصر الأمر على إغلاق بعض المصارف ودمج بعضها الآخر، ثم نقل الأصول والودائع من مؤسسة إلى أخرى، من دون مساءلة الماضي وتغيير قواعد الحوكمة وعلاقة المصارف بالدولة، فإن لبنان سيكون قد أعاد بناء شكل القطاع لا مضمونه.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة. القانون يمنح السلطة أدوات واسعة لتنظيف المصارف، لكنه لا يستطيع وحده تنظيف البيئة التي نشأت فيها الأزمة.
ذلك يحتاج إلى قضاء مستقل، ورقابة شفافة، وسياسة مالية مسؤولة، ومصرف مركزي لا يتحول إلى شريك فوق العادة للمصارف، ومساهمين يعرفون أن أرباحهم تعني أيضًا مسؤوليتهم عن الخسائر، ومودعين لا يعودون إلى المصارف لأن القانون أجبرهم، بل لأن الثقة عادت إليهم.
وعندها فقط يمكن القول إن لبنان لم يُصلح مصرفًا متعثرًا فحسب، بل بدأ بإصلاح النموذج المصرفي الذي أوصله إلى الانهيار.

