يوم الجمعة الماضي في 21 تشرين الأول دخل لبنان مرحلة زمنية فاصلة. هي فترة الأيام العشرة الأخيرة من ولاية الرئيس ميشال عون، والتي يبدأ معها العد العكسي لإنتهاء هذه الولاية وخروجه من قصر بعبدا للمرّة الثانية، ولكن هذه المرة ليس إلى السفارة الفرنسية في الحازمية بواسطة ملالة، بل وسط حشد "أورونجي" قد يكون مدّعمًا باللون الأصفر لإضفاء الطابع الجماهيري الواسع تعبيرًا عن تأييد شعبي ضخم للرئيس عون .

ما هو مؤكد أن هذه الفترة ستشهد "إنفراجا حدوديا" مع التوقيع على إتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في الناقورة، فيما تسود حال من الترقب وحبس للأنفاس في الداخل مع الكباش السياسي حول الملف الحكومي. وأما الملف الرئاسي فقد دخل عمليًا مرحلة الفراغ وبات في حكم المعطل والمؤجل حتى إشعار آخر.

في هذه الأيام الأخيرة ستسدل الستارة على إتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يوم 27 الجاري، مع التوقيع على الإتفاق في مقر قيادة القوات الدولية في الناقورة، في حضور الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين ووفدين من لبنان وإسرائيل يغلب عليهما الطابع العسكري التقني. بعد التوقيع من المتوقع أن ينطلق "حزب الله" في عملية الإحتفاء بالإنجاز والإنتصار الذي يعتبر البعض أنه يوازي إنتصار حرب تموز 2006 .

وفي موازاة التحضيرات لمهرجان شعبي في الضاحية الجنوبية، أنهى الحزب صياغة خطابه السياسي للمرحلة المقبلة القائم على فرضية إخضاع إسرائيل وحملها على التنازل، كما دفع واشنطن الى ممارسة تدخل ضاغط ومكثف، والتأكيد على إستمرار الصراع مع إسرائيل واستمرار عمل المقاومة والحاجة الى سلاحها لحماية الثروة البحرية وضمان تنفيذ الإتفاق، الذي يُنظر إليه البعض على أنه يخفي صفقة أو تفاهمات أميركية ـ إيرانية قدمت بموجبها طهران تسهيلات في لبنان لإتمامه ونالت في المقابل مكاسب في العراق كإستعادة رئاسة الحكومة، وفي سوريا وقف الضربات الإسرائيلية الجوية والصاروخية على أهداف إيرانية.

وعلى رغم أن الملف الحكومي متعثّر بسبب ما يستنبته النائب جبران باسيل من عراقيل يومية، لا يزال بعض المتفائلين يراهنون أن إقفال هذا الملف سيتمّ على قاعدة تعويم وتعديل الحكومة الحالية عشية أو غداة التوقيع على إتفاق الترسيم، أي في الفترة الواقعة بين 26 و28 الجاري، ولكن من الممكن أن تتواصل عملية شدّ الحبال حتى الأيام الأخيرة، وأن يذهب "الفريق الباسيلي" الى الحد الأقصى من المناورة، وأن يستخدم عامل الوقت لفرض خياراته مراهنًا على تحقيق شيء ما في الأيام وربما في الساعات الأخيرة قبل 31 تشرين.

وفي انتظار الدخول حكوميًا في "سباق الأمتار الأخيرة"، ستظل التجاذبات والتهديدات على أشدها. فالرئيس عون يلّوح بالتوقيع على مرسوم قبول إستقالة الحكومة، فيما يهدّد باسيل بالمقاطعة وسحب الغطاء السياسي والمسيحي عن حكومة تصريف الأعمال.

يقابل هذه الحركة تأكيد أيضا على أن الملف الرئاسي ذاهب الى "مزيد من التعقيد"، وأن الشغور في رئاسة الجمهورية بات أمرًا واقعًا، وأن كل الحسابات والخطط تُبنى على هذا الأساس، وبما يتناسب مع مقتضيات مرحلة الفراغ الرئاسي التي ستشهد تغييرًا في قواعد اللعبة وفي "أوراق الإنتخاب". فإذا كانت الجولات الأولى دارت بين مرشحين أحدهما معلن هو ميشال معوض والآخر مضمر هو سليمان فرنجية المعبّر عنه بـ"الورقة البيضاء"، قد إنتهت الى أن كل واحد منهما قد ألغى الآخر، فإن الجولات المقبلة ستفضي حتمًا الى رئيس "تسوية أو توافق"، لإنهاء فترة الفراغ الرئاسي في مهلة تُحتسب بالأشهر هذه المرة، وليس بالسنين.

فهذا ما ينتظرنا في الأيام الأخيرة من العهد إذا لم يطرأ ما ليس في الحسبان.