كتب رئيس لجنة المحافظة على التراث في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
تستعد صيدا لدخول عام 2027، وهي تحمل لقباً ثقافياً يضعها أمام مسؤولية تاريخية. فهذا الاستحقاق ليس احتفالاً عابراً، ولا سلسلة من المهرجانات والأنشطة، بل فرصة لإظهار وجه المدينة الحقيقي، بتاريخها وأسواقها وأحيائها وناسها وثقافتها .
لقد، بُذلت جهود كبيرة لإعادة تأهيل المدينة القديمة، من قبل عائلات وجمعيات ،ومؤسسات خاصة ومنظمات محلية و دولية مشكورة ،
واليوم تبذل جهود جبارة في ترميم ساحاتها وأزقتها وبيوتها بتمويل كريم من
(جمعية محمد زيدان للإنماء ) في صيدا ، تُؤمن بأن صيدا تستحق أن تستعيد مكانتها على شاطىء المتوسط كإحدى اقدم المدن التاريخية التي سكنها الإنسان .
لكن يبقى السؤال الذي علينا أن لا نهرب منه:
هل يكفي أن نرمم الحجر إذا تركنا الفضاء العام يعود إلى الفوضى بعد انتهاء الأشغال؟
إن المدينة القديمة ليست مجرد مجموعة أبنية وحارات وساحات وأزقة تاريخية، بل هي نسيج عمراني اجتماعي متكامل. حافظ على هويته ونظامه ،فكل تدخل مخالف لهوية الامكنة ، هو خطوة في طريق تشويه صورته، من طاولة توضع خارج مكانها ، كرسي هنا وسيارة هناك ،من مظلة عشوائية، إلى إعلان يشوه الواجهات، لا يعتدي على رصيف أو ساحة فحسب، بل يمس صورة المدينة التي نسعى جميعاً إلى تقديمها للعالم.
نحن حتماً لسنا في مواجهة مع أصحاب المقاهي أو التجار ، فهم جزء من الحياة الاقتصادية للمدينة، ونجاحهم من نجاحها. لكن نجاح النشاط التجاري لا ينبغي أن يكون على حساب حق الجميع في مدينة جميلة ومنظمة، ولا على حساب الأموال التي تُنفق لإحياء تراثها. مع قناعتي ان المحافظة على النظام سيشكل قيمة مضافة للحركة التجارية والسياحية.
إن احترام النظام ليس مطلباً إدارياً فحسب، بل هو تعبير عن ثقافة المدينة واحترامها لنفسها. فلا يجوز أن ينجز مشروع الترميم، ثم تضيع نتائجه ومعالمه خلال أشهر بسبب غياب قواعد واضحة ، أو ضعف في تطبيقها.
إن صيدا 2027 يجب أن تكون نقطة تحول في طريقة إدارة المدينة القديمة. فالحفاظ على التراث لا يتحقق بالترميم وحده، بل بإدارة مستدامة للفضاء العام، تقوم على قواعد عادلة، تطبق على الجميع بلا استثناء، وتحفظ التوازن بين حق الاستثمار وحق المدينة في حماية هويتها.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ونحن نستعد لهذا الاستحقاق هو:
أي مدينة نريد أن نقدمها للعالم سنة 2027؟
مدينة تُرمم فيها الحجارة ثم تُترك الفوضى تلتهمها من جديد، أم مدينة تجعل من احترام النظام جزءاً من ثقافتها، ومن حماية تراثها مسؤولية يتقاسمها الجميع؟
فإذا نجحنا في ذلك، لن يكون عام 2027 مجرد مناسبة ثقافية، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ صيدا، عنوانها أن حماية التراث ليست مسؤولية الدولة أو البلدية وحدهما، بل مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن هوية المدينة هي أثمن ما يورثه للأجيال القادمة.