تتفاقم معاناة أهالي مدينة صيدا يوماً بعد يوم، ولم تعد الأزمة تقتصر على ساعات التقنين الطويلة في التيار الكهربائي، بل بات انقطاع الكهرباء يهدد أيضاً واحدة من أبسط مقومات الحياة اليومية: المياه.
وفي صيدا، يرتبط جزء أساسي من عملية ضخ المياه بما يُعرف بـ«خط الخدمات» الكهربائي، الذي يؤمّن التغذية لمحطات الضخ الرئيسية. وكانت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي قد أعلنت سابقاً أن الأعطال والانقطاعات المتكررة التي تصيب هذا الخط أثرت على تشغيل محطات العربي والفوار وحارة صيدا، مؤكدة أن تشغيل المولدات البديلة لا يستطيع تعويض كامل النقص الناتج عن غياب كهرباء الدولة.
هل دخلت صيدا ضمن المناطق التي ستُقطع عنها الكهرباء بسبب المتأخرات؟
السؤال عاد بقوة إلى الشارع الصيداوي مع الحديث عن إجراءات مؤسسة كهرباء لبنان بحق الجهات والمناطق التي تتراكم فيها المستحقات ولا تُجبى فيها الفواتير.
وهنا يسأل المواطنون: هل صيدا من ضمن المناطق المشمولة بهذه الإجراءات؟ وهل توقف أو تراجع التغذية على خط الخدمات مرتبط بالجباية والمتأخرات المالية، أم بأسباب تقنية وتشغيلية أخرى؟
حتى الآن، لا تتوافر في المصادر التي أمكن الاطلاع عليها معلومات رسمية واضحة تؤكد أن صيدا كمدينة صُنّفت ضمن المناطق التي تقطع عنها الكهرباء بسبب عدم تسديد الفواتير.
لكن اللافت أن مؤسسة كهرباء لبنان نفسها كانت قد أكدت في بيانات سابقة أن الخطوط التي تغذي المرافق الحيوية، ومن بينها مضخات المياه، تحظى بمعاملة مختلفة نظراً إلى طبيعة الخدمات الأساسية التي تؤمّنها. وفي تموز الماضي قالت المؤسسة إن معدل التغذية العام كان بحدود أربع ساعات يومياً، باستثناء الخطوط التي تغذي المرافق الحيوية والإدارات الرسمية الأساسية، وذكرت بينها صراحة مضخات المياه.
كما أكدت المؤسسة في نيسان 2026 أن إجراءاتها تهدف إلى ضمان استمرارية التغذية للمرافق العامة الأساسية، وذكرت تحديداً مضخات المياه والصرف الصحي والمطار والمرفأ والسجون وقصور العدل.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت مضخات المياه تُصنَّف رسمياً كمرافق حيوية، فلماذا يعاني خط الخدمات في صيدا من الانقطاع؟
المواطن الصيداوي يدفع الثمن مرتين
المشكلة الأخطر أن انقطاع خط الخدمات لا يعني انقطاع الكهرباء فقط.
فعندما تتوقف الكهرباء عن محطات الضخ، تتراجع كميات المياه الواصلة إلى المنازل، فيجد المواطن نفسه أمام أزمتين في وقت واحد: لا كهرباء دولة تكفي لتأمين حاجاته، ولا مياه منتظمة تصل إلى منزله.
وبذلك يتحمل المواطن كلفة الاشتراك بالمولد الكهربائي أو أنظمة الطاقة البديلة، وقد يضطر في الوقت نفسه إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة.
إنها معادلة قاسية لمدينة يفترض أن يكون تأمين المياه والكهرباء لها من أبسط حقوق سكانها.
أزمة مالية بين مؤسستين... فهل يدفعها المواطن؟
في المقابل، تكشف الأرقام عن مشكلة مالية كبيرة لا يمكن تجاهلها. فقد أظهرت بيانات منشورة حديثاً أن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي تتصدر المؤسسات العامة المتأخرة في تسديد مستحقاتها لكهرباء لبنان، بمتأخرات قُدرت بنحو 85.6 مليون دولار ضمن أرقام تغطي متأخرات متراكمة منذ تشرين الثاني 2022 وحتى نهاية 2025.
وهنا تبرز مشكلة تحتاج إلى معالجة مباشرة بين الدولة ومؤسساتها.
فإذا كانت هناك مستحقات مالية مترتبة على مؤسسة عامة لصالح مؤسسة عامة أخرى، فمن يتحمل مسؤولية حلها؟
وهل يجوز أن يتحول الخلاف المالي أو تراكم الديون بين مؤسسات الدولة إلى انقطاع للمياه عن المواطنين؟
المواطن الذي يسدد ما يترتب عليه لا يمكن أن يصبح وسيلة ضغط في نزاع مالي وإداري بين مؤسستين عامتين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمياه التي تشكل حاجة إنسانية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
كهرباء لبنان... أزمة عمرها عقود
وما يحصل في صيدا ليس منفصلاً عن الأزمة المزمنة التي يعيشها قطاع الكهرباء في لبنان منذ عقود.
فبعد سنوات من الإنفاق والعجز وضعف الإنتاج وتهالك أجزاء من الشبكة ومشكلات الجباية والتعديات، بقي اللبناني يعتمد بصورة كبيرة على المولدات الخاصة والطاقة الشمسية لتأمين الكهرباء التي يفترض أن توفرها الدولة.
وفي تموز 2026، أعلنت كهرباء لبنان أن القدرة الإنتاجية المتاحة لم تكن تتجاوز نحو 500 ميغاواط، وأن متوسط التغذية كان في حدود أربع ساعات يومياً، محذرة من أن ضعف القدرة المتاحة على الشبكة يجعلها عرضة لاضطرابات تشغيلية وانقطاعات مفاجئة.
وفي آذار الماضي، قالت المؤسسة إن الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة راكمت مستحقات تقارب 270 مليون دولار وفق التعرفة الجديدة، معتبرة أن تحصيل هذه الأموال يمكن أن يساعد في شراء كميات إضافية من المحروقات وزيادة ساعات التغذية.
وهكذا تستمر الحلقة نفسها: نقص في الإنتاج، ضعف في الجباية، ديون متراكمة، نقص في المحروقات، ساعات تغذية محدودة، ومواطن يدفع فاتورة كهرباء لبنان وفاتورة المولد أو الطاقة البديلة في الوقت نفسه.
هل ما يحصل في صيدا متعمد؟
أمام استمرار الأزمة، بدأ مواطنون في صيدا يطرحون سؤالاً أكثر حساسية:
لماذا تُحرم المدينة من انتظام خط الخدمات الذي يؤمّن تشغيل محطات المياه؟ وهل ما يحصل مجرد نتيجة لأعطال وأسباب مالية وتقنية، أم أن صيدا تتحمل أكثر مما يجب من نتائج الأزمة؟
لا يمكن توجيه اتهام بالتعمد من دون أدلة واضحة، لكن من حق أبناء المدينة الحصول على جواب رسمي وشفاف.
المطلوب من مؤسسة كهرباء لبنان ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي توضيح حقيقة وضع خط الخدمات: كم ساعة يُغذّى يومياً؟ وما أسباب انقطاعه؟ وهل المشكلة تقنية أم مالية؟ وهل هناك قرار بتقليص التغذية بسبب مستحقات غير مدفوعة؟ ومن الجهة المسؤولة عن هذه المستحقات؟
نواب صيدا أمام مسؤولياتهم
أمام أزمة تمس عشرات آلاف المواطنين بصورة مباشرة، يناشد أهالي صيدا نواب المدينة وفاعلياتها وبلديتها التحرك بصورة عاجلة لدى وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة كهرباء لبنان ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي.
فالمطلوب ليس بيانات تطمين فقط، بل إعادة انتظام التغذية على خط الخدمات وتأمين الكهرباء اللازمة لمحطات ضخ المياه، بالتوازي مع معالجة ملف المستحقات والجباية بين المؤسسات المعنية بعيداً عن تحميل المواطن نتائج خلافات لا علاقة له بها.
صيدا لا تطالب بامتياز على حساب أي منطقة لبنانية، بل بحقها الطبيعي في الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
فالكهرباء قد تخضع للتقنين بسبب أزمة الإنتاج، أما المياه فلا يجوز أن تتحول إلى ضحية إضافية للعتمة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الصيداويون جواباً واضحاً عنه:
من المسؤول عن تعطيل خط الخدمات في صيدا، ومتى تعود الكهرباء إلى محطات الضخ بصورة منتظمة ؟