في قلب مدينة صيدا القديمة، يقف خان الرز شاهداً على تاريخ المدينة التجاري والعمراني، لكنه يقف اليوم أيضاً شاهداً على سنوات من الإهمال والتقصير. فخلف الإضافات العشوائية والجدران المتعبة، ما زالت أقواسه الحجرية وأروقته وباحته الواسعة تكشف عن معلم ذي قيمة معمارية وتاريخية نادرة، مهدّد بالتدهور، لكنه لا يزال قابلاً للإنقاذ إذا توافرت الإرادة والقرار.
لم يعد مقبولاً التعامل مع حالة الخان كأنها شأن عقاري خاص أو مشكلة مؤجلة. فالسؤال الأخلاقي والقانوني واضح: هل تتيح الملكية لصاحبها أن يترك معلماً تاريخياً يتداعى، حتى يفقد قيمته أو يصبح ترميمه مستحيلاً؟ بالتأكيد لا. فالملكية، أكانت خاصة أم وقفية، ترتّب حقوقاً، لكنها تفرض أيضاً مسؤوليات، ولا تبرّر الإهمال أو التخلّي عن حماية معلم يشكّل جزءاً من الذاكرة العامة للمدينة.
للخان مالكون، وهم الأوقاف الإسلامية وجمعية المقاصد الإسلامية وربما آخرين ، وللمستأجرين والشاغلين حقوق قانونية يجب احترامها وعدم تجاوزها.
لكن للخان كذلك حق عام في الحماية، لأنه ليس مجرد عقار، بل جزء من هوية صيدا وتراثها العمراني والتاريخي. ومن هنا، تقع على عاتق المالكين مسؤولية مباشرة في صون المبنى ومنع تدهوره، كما تقع على عاتق البلدية والمديرية العامة للآثار ووزارة الثقافة مسؤولية قانونية ومؤسساتية في التدخل، والمراقبة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية معلم مهدّد.
إن استمرار التدهور، مع العلم بالخطر، لا يمكن أن يبقى بلا مساءلة. فالتأخر في التدعيم والترميم قد يؤدي إلى خسارة عناصر معمارية لا يمكن تعويضها، وقد يحوّل الإهمال إلى ضرر دائم. ولا يجوز أن تصبح صعوبة التمويل أو تعقيدات عقود الإيجار ذريعة لتعليق المسؤولية. المطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل تحديد واضح للواجبات، ووضع جدول زمني ملزم للمعاينة والتدعيم والحماية.
البداية يجب أن تكون فورية، ولا تحتاج إلى مشروع استثماري ضخم. المطلوب كشف هندسي وأثري عاجل تشارك فيه البلدية والمديرية العامة للآثار والمالكون، لتحديد وضع البناء، ورصد العناصر المهددة، واتخاذ إجراءات السلامة والتدعيم الضرورية. كما يجب حصر عقود الإيجار والشاغلين، وضمان حقوقهم، ومنع أي أعمال أو تغييرات تزيد من الأضرار، بالتوازي مع إعداد تصور واضح للوظيفة المستقبلية للخان.
وبعد تثبيت الوضع القانوني والفني، ينبغي إطلاق مبادرة رسمية باسم «إنقاذ خان الرز»، تجمع الأوقاف الإسلامية وجمعية المقاصد والبلدية ووزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والجهات المانحة. ويجب أن تترافق المبادرة مع خطة تمويل شفافة، ومراحل تنفيذ محددة، وآلية متابعة معلنة للرأي العام، بما يضمن ألا يبقى الترميم وعداً عاماً أو عنواناً احتفالياً بلا نتائج.
يمكن إعادة الخان إلى الحياة كمركز للحرف والثقافة والمنتجات الصيداوية والأنشطة المجتمعية، بما يحفظ أصالته ويمنحه وظيفة مستدامة. لكن ذلك لن يتحقق ما لم يُحسم أولاً أن حماية الخان واجب لا خيار، وأن كلفة التقاعس ستكون أكبر من كلفة الترميم.
ونحن على أبواب عام صيدا الثقافي ٢٠٢٧، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أي معنى للاحتفاء بتاريخ المدينة وثقافتها، فيما أحد أبرز معالمها يتآكل أمام أعين الجميع؟ وأي رسالة تُوجَّه إلى الأجيال المقبلة إذا عجزت المؤسسات والمالكون عن حماية ما بقي من هذا التراث؟
إنقاذ خان الرز ليس مشروع تجميل، ولا اعتداءً على الملكية، بل تنفيذ لمسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة. وعلى المالكين والسلطات المعنية أن يتحركوا الآن، لا بعد انهيار جزء من المبنى أو ضياع عناصره التاريخية. المطلوب قرار واضح وفوري: إجراء الكشف، تأمين الحماية، تحديد المسؤوليات، وتأمين التمويل. فكل يوم تأخير يقرّب الخان من خسارة قد لا يمكن إصلاحها، وما نملك اليوم فرصة لإنقاذه قد يتحول غداً إلى مجرد صورة لما فقدناه.