إحياءً للذكرى الرابعة والأربعين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وبدعوة من التنظيم الشعبي الناصري والحزب الشيوعي اللبناني، أُقيم احتفال في ساحة الشهداء في مدينة صيدا، بحضور ممثلين عن أحزاب وقوى سياسية لبنانية وفصائل فلسطينية، إلى جانب عدد من الفاعليات السياسية والاجتماعية والثقافية وحشد من المشاركين.
ورفع المشاركون خلال الاحتفال الأعلام اللبنانية والفلسطينية، إلى جانب أعلام جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، في مشهد عبّر عن أجواء المناسبة وذكراها. وتخللت الاحتفال أجواء وطنية، حيث صدحت في ساحة الشهداء الأغاني والأناشيد الوطنية.
وشكّلت المناسبة محطة لاستذكار انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، واستحضار المحطات التي ارتبطت بتاريخها، وسط تأكيد المشاركين على أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
بدأ الاحتفال بكلمة ألقاها عضو الأمانة التنفيذية في التنظيم الشعبي الناصري خليل المتبولي، قال فيها :
نقف اليوم أمام ذكرى ليست رقمًا في روزنامة الزمن، ولا محطةً عابرةً في سجلّ الأحداث؛ بل أمام أربعة وأربعين عامًا من الذاكرة، والذاكرة، حين تكون متصلةً بوطنٍ قاوم، لا تتحول إلى حنينٍ إلى الماضي، بل إلى مسؤوليةٍ في الحاضر، وسؤالٍ مفتوحٍ على المستقبل.
أربعة وأربعون عامًا على انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وما زالت تلك اللحظة حاضرةً في وجداننا؛ لأن بعض اللحظات لا تصبح ماضيًا، بل تظلّ امتحانًا دائمًا لذاكرة الوطن ووعيه، ودليلًا على أن إرادة الشعوب قادرة، حين تتوحّد، على كسر معادلات القوة التي يفرضها الاحتلال.
في السادس عشر من أيلول عام 1982، كان لبنان يعيش واحدةً من أقسى مراحله. احتلالٌ إسرائيليّ يطأ أرضه، وبيروت تحت النار، والجنوب والبقاع والجبل أمام واقعٍ جديد أراد المحتل أن يفرضه كقدرٍ لا مفرّ منه.
في تلك اللحظة، جاءت انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لتعلن بوضوح أن الاحتلال، مهما امتلك من قوة، لا يستطيع أن يصادر إرادة شعبٍ قرّر الدفاع عن أرضه وحقّه في الحرية.
كانت الجبهة، في جوهرها، تعبيرًا عن التقاء إراداتٍ وطنية متعدّدة في مواجهة عدوٍّ واحد. وهذه، في تقديري، إحدى أهم الدلالات التي تجعل تجربتها جديرةً بأن نستعيدها اليوم. فلم تكن المقاومة الوطنية امتدادًا لجهةٍ واحدة، بل مساحةً التقت فيها قوى وأحزاب وتيارات مختلفة، جمعها الانتماء إلى لبنان، ورفض الاحتلال، والإيمان بأن الدفاع عن الوطن مسؤوليةٌ تتقدّم على الخلافات.
وهنا تكمن قيمة تلك التجربة: أن الاختلاف في السياسة والفكر لم يحل دون اللقاء حين كان الوطن في خطر. كان لكل طرفٍ رؤيته وموقعه، لكن الأرض كانت واحدة، والعدو واحدًا، والكرامة واحدة.
ومن الطبيعي أن تكون صيدا حاضرةً بقوة في هذه الذكرى. فهذه المدينة لم تكن يومًا على هامش المواجهة؛ بل كانت إحدى ساحاتها الأساسية، واحتضنت المقاومة كما احتضنت تاريخ الجنوب وفلسطين. وفي سياق هذه التجربة، يبرز اسم مصطفى معروف سعد، بوصفه أحد الرموز الوطنية في صيدا، وأحد الوجوه البارزة في مسار المقاومة، إلى جانب كوكبةٍ من المقاومين والمناضلين والشهداء الذين صنعت تضحياتهم ذاكرة المدينة والجنوب.
لكن صيدا، حين نستعيدها اليوم، ليست مجرد مكانٍ ارتبط بحدثٍ من أحداث المقاومة؛ إنها جزءٌ من معناها. مدينةٌ عرفت أن مواجهة الاحتلال لا تكون بالسلاح وحده، بل أيضًا بثبات الناس، وباحتضان المقاومة، وبالحفاظ على تماسك المجتمع وروحه في أحلك الظروف.
ومن هنا، فإن الوفاء لهذه التجربة لا يكون بتحويلها إلى صورةٍ معلّقة على جدار الماضي، بل بقراءة ما تقوله لنا في حاضرنا. فقد أثبتت أن الوطن يصبح أقوى حين تتقدّم القضايا الكبرى على الحسابات الصغيرة، وأن التنوّع السياسي يمكن أن يكون مصدر قوةٍ حين لا يتحول الاختلاف إلى خصومةٍ وطنية، وأن لبنان، رغم تعدّد مكوّناته وتناقضاته، قادرٌ على أن يجمع المختلفين حين تكون هناك قضيةٌ تتجاوز حدود الحزب والطائفة والمنطقة.
ولعلّ هذا هو الدرس الذي نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
فلبنان الذي قاوم الاحتلال لا يجوز أن يستسلم أمام اليأس، والبلد الذي دفع أبناؤه أثمانًا غاليةً دفاعًا عن أرضه لا يجوز أن يترك أبناءه أسرى الفقر والهجرة والتهميش. وإذا كانت المقاومة قد دافعت عن الأرض، فإن اكتمال رسالتها الوطنية يقتضي أن يتواصل الدفاع عن الإنسان؛ عن حقه في دولةٍ عادلة، وعن كرامته، وعن مستقبله.
من هنا، لا يعود مفهوم المقاومة محصورًا في لحظةٍ عسكرية من التاريخ، بل يتصل بمسؤوليةٍ وطنية أوسع: مقاومة تحويل لبنان إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين، ومقاومة الطائفية التي تمزّق نسيجه، ومقاومة الفساد الذي يستنزف دولته، ومقاومة اليأس الذي يدفع شبابه إلى الرحيل.
ولا يعني ذلك الخلط بين هذه المعاني أو مساواتها، بل إدراك ترابطها ضمن مسؤوليةٍ وطنية واحدة: تحرير الأرض، وبناء الدولة، وصون الإنسان؛ حتى يكون لبنان لأبنائه، حرًّا في قراره، عادلًا في دولته، كريمًا بشعبه.
وإن اجتماعنا اليوم، بما يضمّه من قوى وطنية وإسلامية لبنانية وفلسطينية، إلى جانب الحزب الشيوعي اللبناني، يكتسب دلالةً خاصة؛ فهو يستعيد زمنًا استطاع فيه المختلفون أن يلتقوا في خندقٍ واحد حين كان الوطن يحتاج إليهم. ولعلّ أفضل وفاءٍ لتلك التجربة أن نستعيد روحها، لا أن نتنازع على ملكيتها؛ فالمقاومة الوطنية جزءٌ من ذاكرة لبنان، وشهداؤها جزءٌ من تاريخه المشترك.
أيها الإخوة، أيتها الأخوات،
بعد أربعة وأربعين عامًا، لا يكفي أن نسأل: ماذا فعل أولئك الذين قاوموا؟ بل علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نفعل نحن بما تركوه لنا ..
تركوا لنا أرضًا دافعوا عنها، وذاكرةً لا يجوز أن تُمحى، وتجربةً أثبتت أن اللبنانيين يستطيعون أن يلتقوا حين يتقدّم الوطن على خلافاتهم.
ومسؤوليتنا اليوم أن نحفظ هذا الإرث من دون أن نسجنه في الماضي، وأن نحوّله إلى قوةٍ حيّة لبناء دولةٍ تحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتفتح أمام أبنائها طريقًا إلى المستقبل.
من صيدا، التي عرفت معنى المقاومة ودفعت من أبنائها أثمانًا غالية، نقول إن الوفاء للشهداء لا يكون باستحضار أسمائهم مرةً في السنة، بل بحماية المعنى الذي ناضلوا واستشهدوا من أجله.
ومعناه أن لا يكون لبنان أرضًا مستباحة، ولا شعبًا منقسمًا على نفسه، ولا وطنًا يضطر أبناؤه إلى الرحيل بحثًا عن حياةٍ كريمة؛ أن يبقى الاختلاف فيه مصدرًا للتنوّع، لا مدخلًا إلى الفتنة؛ وأن تبقى المقاومة، في ذاكرتنا الوطنية، شاهدًا على حقيقةٍ أثبتها اللبنانيون بدمائهم: يستطيع الاحتلال أن يدخل الأرض، لكنه لا يستطيع أن يدخل إرادة شعبها.
في هذه الذكرى، ننحني أمام الشهداء والمقاومين جميعًا، على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم، ونؤكد أن التاريخ لا يطلب منا أن نعيش فيه، بل أن نتعلّم منه؛ وأن أهم ما نتعلّمه اليوم هو أن الوطن الذي وحّدنا في مواجهة الاحتلال، يجب أن يكون قادرًا على توحيدنا في مواجهة أزماته، وعلى فتح أفقٍ جديد أمام أبنائه.
فلتبقَ هذه الذكرى مساحةً للقاء، لا سببًا للانقسام؛ ولتبقَ صيدا، بتاريخها ونضالاتها، شاهدةً على قدرة اللبنانيين على الاجتماع حول القضايا الوطنية الكبرى؛ وليبقَ لبنان، بكل تنوّعه، العنوان الذي يجمعنا.
المجد للشهداء، والوفاء للمقاومين، والكرامة لشعب لبنان، والحرية والسيادة لهذا الوطن.
ثم ألقى الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب كلمة قال فيها:
استدعت الظروف المصيرية التي يمرُّ بها لبنان، والخطرُ المحدِق بالجنوب وأهلِه، ان نحييَ الذكرى الرابعةَ والأربعين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هنا في صيدا عاصمةِ الجنوب، نحن والرفاقُ في التنظيم الشعبيّ الناصريّ. فمن رمزية المكان ، من ساحة الشهداء نوجه تحية اكبار واجلال ِ لروح الشهيد معروف ، ولأرواح من أعلنوا نداء جمّول الرفيق الشهيد جورج حاوي ورفيقُه محسن إبراهيم والى من اطلق رصاصاتِها الأولى الرفيق مازن عبود. فالى شهداء جمّول وجرحاها وأسراها وكل شهداء شعبنا ومقاوميه من القوى السياسية اللبنانية كافّة، تحية، موصولة لشهداء صبرا وشاتيلا وكلِّ شهداء فلسطين ومقاوميها أينما سقطوا في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني المتوحش.
الحضورُ الكريم
يتّضح المشهدُ الميدانيُّ والسياسي والاقتصادي الاجتماعي في لبنان تحديدا على النحو الآتي :
أولا : في الميدان هناك عدوٌ صهيوني يحتل أجزاءً كبيرة من الجنوب ويتوسّع ويرتكب جرائمَ القتلِ والتدمير والتهجير بحق أهلنا في الجنوب في ظل عدم قدرة مقاومي حزب الله على إيقاف اجتياحه المدعوم اميركيا رغم كل ما بذلوه من بسالة وتضحيات وما قدّمه أهلنا في الجنوب من دماء ومعاناة معيشية التزاما بوطنيتهم وتمسكهم بأرضهم والدفاع عنها.
ثانيا: وصولُ المفاوضاتِ المباشرةِ التي أقدمت عليها السلطة السياسية مع العدو الصهيوني الى الفشل، إنْ لم تحقّق شيئا رغم كل التنازلات التي قدّمتها الحكومة للعدو من خلال توقيع اتفاق الإطار المرفوض. فلم يضمن هذا الاتفاقُ للبنانَ وجنوبِه وقف العدوان والانسحاب من دون قيد او شرط حتى خط الهدنة عام 1949 وتأمين عودة السكان والشروع في إعادة الاعمار وتحرير الأسرى، بل وضَع لبنان تحت الوصاية الاميركية بفعل استسهال اطراف السلطة الانتقالَ من وصاية الى أخرى، مصحوبة هذه المرة بعملية تطبيع في العلاقات مع "إسرائيل" والاستسلام لها تحت مسمى "السلام".
ثالثا : إن الاتفاق يندرج في سياق المشروع الأميركي الهادف الى إخضاع المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية واقامة مناطق امنية في سوريا ولبنان بالتزامن مع رحيل او الأصحّ ترحيل قوات اليونفل مطلع العام القادم ومواصلة جرائم الإبادة للشعب الفلسطيني وتدمير غزة، ومحاولة السيطرة على الضفة الغربية ونهب الموارد النفطية في الخليج وايران ومحاولة السيطرة على الممرات وسط مواجهة كبرى ضد مشروع هيمنته على الإقليم عموما.
رابعا : يعاني لبنانُ من انهيارٍ اقتصادي – اجتماعيٍ غيرِ مسبوق ومن بطالة وهجرة بمعدلات متزايدة. فهناك مليونُ نازح ومهجر، يفتقدون الى فرص عمل ويواجهون صعوبات لا توصف في تأمين احتياجاتهم من خدمات الأيواء والغذاء والدواء والطاقة والمياه وبدلات الإيجار وتوزيع المساعدات، وهم يتطلعون بحسرة الى لحظة العودة الى ديارهم والى شروع الحكومة في إعادة إعمار ما هدّمته اسرائيل. وما يفاقم أزمتهم وأزمة غالبية الشعب اللبناني، ما يواجهونه من ارتفاع فاحش في الأسعار والأقساط المدرسية وفواتير المستشفيات والكهرباء والبنزين، في وقت يتعاظم فيه تآكل الرواتب والأجور وتراجع التأمينات الاجتماعية.
إن هذه القضايا وغيرها هي تعبير حيّ عن عمق أزمة النظام السياسي الطائفي وفشل دولته الطائفية ومسؤولية حكوماته المتعاقبة ومحاصصاتِ القوى المتنفّذة وتحالفاتها الانتخابيةِ النيابية والبلدية والنقابية، وإمعانِها في الفساد والإفساد ونهب المال العام والخاص وفي تقويض تعويضات العمال وصناديق الضمان الاجتماعي والمهن الحرة وموظفي الدولة عسكريين ومدنيين.
وفي السؤال ما العمل، نقول؟
لا شيءَ بامكانه انقاذُ لبنانَ سوى مشروعٍ سياسي وطني يهدف في الأساس الى إعادة بناء الدولة والانتقال من الدولة الطائفية الفاشلة الى الدولة اللاطائفية، القائمة على مباديء المواطنة والديمقراطية والعلمانية، دولة تكون قادرة على حماية سيادتها عبر جيشها الوطني المكتمل التجهيز وعبر فرض خدمة مدنية وعسكرية الزامية على جميع اللبنانيين عند سنّ معيّنة على نحو يسهم في إدماجهم في النسيج الوطني، تطبيقا لاتفاق الطائف، وتعطيلا للوظيفة السياسية للطائفية والافقار والتبعية.
ولا شيء بامكانه تعويضُ الخسائر والتضحيات سوى الانطلاقِ من مثل هذا المشروع السياسي الوطني، كي تكون المقاومة ، مقاومة وطنية وشعبية على صورة ومثالِ ذلك المشروع الذي تترابط فيه وتمارس كل اشكال النضال مستهدفة التحرير والتغيير دون الفصل بينهما؛ مقاومة تكون عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، وغير محكومة بحسابات خارجية، ولا بميثاقية طائفية؛ مقاومة لا تغطي سلطة الفساد ولا تتموضع أو تتحالف وتتشارك مع دعاة التطبيع ممن لم يطلقوا رصاصة واحدة ضد الاحتلال. هذا ما جسّدته تجاربُ الحرسِ الشعبي وقواتِ الأنصار وجمّول منذ خمسينيات القرن الماضي، تأكيدا لحقّ شعبنا المشروع في المقاومة، وهو حقّ كرّسته القوانين الدولية. فطالما هناك احتلال هناك مقاومة .
إننا نتمسّك بالحفاظ على السلم الاهلي ونضعه فوق كل اعتبار، فلا يتم خرقه من أية جهة كانت وتحت أي ظرف من الظروف. وهذا ما يستدعي من بعض الذين يطالبون اليوم بالحفاظ على السلم الأهلي، الكفَّ عن خطاب التوتير المذهبي ووضع الشارع بوجه الشارع لخلق الفتن وتشتيت وضرب الحركة الشعبية ومنعها من المطالبة بحقوقها. كما يتطلب من هذا البعض أيضا الإنعتاق من عقم التسويات الطائفية المتكررة الموحى بها من اوصيائهم في الخارج التي فشلت هي جميعُها، تمهيدا لبلورة حلّ نهائي للمسألة الطائفية، حفاظا على السلم الأهلي. مثل هذا الحلّ ولو اتى على مراحل ، يشكل الردّ الحاسم على مشاريع التشكيلات السياسية الطائفية التي لا همّ لها سوى بقائها في السلطة، فهي لم تحم لبنان تاريخيا بل جلبت له شتّى أنواع التدخلات الإقليمية والدولية ولا تزال.
وفي سياق هذه المعركة المفتوحة تتصدر قضيةُ دعم النازحين والمهجرين الأولوية. فهم من دفعوا أثمانا باهظة، هم أهالي الجرحى والشهداء ممن قدموا حياتهم في مواجهة العدو الصهيوني وما زالوا يقدمون. والدفاع عن حقوقهم والوقوف معهم هو واجب وطني ورفاقي واجتماعي، فنحن جزء منهم. وهذا ما فعلناه كحزب منذ بداية العدوان ولم نزل نقدّم وفق امكانياتنا وسوف نستمر، مع التأكيد على أولوية مسؤولية الدولة عن توفير الخدمات العامة لهم : في الصحة والتعليم والسكن والنقل والتعامل معهم بوصفهم شركاء في اتخاذ القرار في قضايا الإغاثة والاعمار والعودة. ونحن ندعو ونعمل على تشكيل لجان شعبية مستقلة للدفاع عن حقوقهم في كل بلدة، تحضيرا للمشاركة في المؤتمر الوطني لدعم النازحين والمهجرين والعودة والاعمار، مؤكدين دعمنا لتحركاتهم وللوقفة التي دعا اليها تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية في 22 أيلول الساعة الحادية عشرة صباحا امام مبنى الاسكوا في بيروت.
ومع تفاقم الازمة الاجتماعية طالعتنا الحكومةُ بمسودة مشروع الموازنة للعام المقبل من دون قطع حساب فشكلت الضرائب والرسوم غير المباشرة حوالي 75% من إجمالي قيمتها، فتساوت ضريبة الفقير بضريبة الغني كما اسقطت مسودة الموازنة، مخصّصات الشروع في معالجة الأضرار للبنى التحتية في الجنوب ولم تلحظ أيّ تصحيح للرواتب والأجور وأيّ إصلاحٍ للنظام الضريبي أو تدعيم لأبعاده التصاعدية حيث يواصل المواطنُ تسديدَ الضرائبِ من رواتبه المجمدة ومن دون ان يأخذَ شيئا بالمقابل فيبقى مرغما على شراء الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والنقل والايجار ومتطلبات النزوح والتهجير.
بناء على ما تقدّم، نتواصل مع القوى اليسارية والديمقراطية والوطنية والمستقلين لتشكيل إطار واسع للتحالف السياسي والاجتماعي من خلال التنسيق والعمل المشترك حول قضايا محددة تعكس تموضعنا وسط شعبنا الخاضع للإفقار والهجرة والتهجير.
سنبقى واقفين مع شبابه وطلابه وعماله ونسائه ومزارعيه ومع نازحيه ومهجريه، داعمين لتحركاتهم دفاعا عن مطالبهم المحقة وفي مقدمها وقف العدوان الصهيوني وانسحاب قوات الاحتلال الصهيوني حتى خط الهدنة وفق الاتفاقية الدولية عام 1949 والعودة والاعمار وتحرير الاسرى،
ومحذّرين من أية مساومات على حساب سيادة لبنان وحقوقه.
عاشت الذكرى الرابعة والأربعين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
والمجد والخلود للشهداء .
وكانت كلمة لأمين عام التنظيم الشعبي الناصري النائب الدكتور أسامة سعد ، قال فيها:
ساد يأسٌ شبه كامل مع احتلال العدو بيروت وقبلها الجبل وصيدا والجنوب كله والبقاع الغربي...
بغطاء إسرائيلي كامل ارتُكِبَت المجازر في صبرا وشاتيلا بحق الفقراء من اللبنانيين والفلسطينيين كما في صيدا وبيروت وكل البلدات والقرى...
ظنّ كثيرون أن لبنان قد خضع لجحافل الغزاة واستسلم لسطوة الاحتلال...
جورج ومحسن في العاصمة بيروت ومصطفى في عاصمة الجنوب صيدا وآخرون في بيروت والجبل والجنوب والبقاع وكل لبنان...
رغم الإحباط وقلة العتاد والسلاح، كان القرار حاسماً "إلى السلاح دفاعاً عن الوطن"، " الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال " كان ذلك نداء المقاومة..
من منزل الزعيم الراحل كمال جنبلاط أطلق الوطنيون اللبنانيون جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية " جمول " ...
فكرة المقاومة وخيارها أكبر وأعظم من أن يختصرها حزب أو تيار واحد...
وجد شعبنا في جبهة المقاومة مَنْ يدافع عنه ويرفض بإسمه رفع أية راية بيضاء...
التحرير، الديمقراطية، الوحدة الوطنية، العدالة الاجتماعية كانت جميعها في صلب مشروع جبهة المقاومة الوطنية...
أيها الأخوة والرفاق...
في زمن المحن يحتاج البلد أن يراجع تجاربه وأن يستعيد ذاكرته...
ما يحتاجه لبنان في ظروف الاحتلال والعدوان مراجعة وحوار حول تجارب مقاوماته المختلفة لا رغبات الانتقام والتشفّي من مشاريعها...
التجهيل والإنكار لإنجازات أو إنكسارات فيه اعتداء على الذاكرة وفيه استهانة بتضحيات بُذِلت وفيه عجز عن تصحيح المسارات...
قد يطأطأ الحاكم الرأس أمام العدوان والاحتلال ولكن شعبنا كان يجد دائماً ما يمكنه أن يرفع رأس بلده من جديد...
لا مهادنة مع احتلال وعدوان وإجرام ولا تسامح مع أي تفريط بتضحيات شعبنا...
إنكسار وطني أن تتصاعد الانقسامات والتجاذبات الطائفية والمذهبية والفئوية في ظل العدوان والاحتلال ...
التوافقات الوطنية حبيسة النوافذ المغلقة على كل حوار ....
مفارقة مفجعة أن تتواصل المفاوضات في واشنطن ويتعطل الحوار في بيروت كأننا لسنا أمام تحديات ومخاطر كبرى...
بقدر ما يكبّد العدوان من مآسي فإن خطاب التخوين والتكاذب المتبادل يفتح في وجه شعبنا أبواباً للإحباط والتوترات الأهلية...
علّة وطنية أن يتموضع المسؤول طائفياً ومذهبياً وأن يضيق بالرأي الآخر أكان رئيساً أو نائباً أو وزيراً أو سياسياً ...
جبهتنا الداخلية مربكة وملغّمة بالفتن وهي بالأصل متصدّعة، ليس بهذا نحميها ونحصّنها...
في زمن الحرب ومآسيها وفي زمن التفاوض العاري، من العار أن ينقسم اللبنانيون...
زمن الانكشاف الاستراتيجي العربي وحروب الغاز والنفط والمياه وتغيير الخرائط ومعادلات القوّة الجديدة، لبنان يحتاج لحوار وطني يؤسّس لحمايات وطنية وخيارات مستقلة...
لا نحتاج لولاءات لكل خارج تعصف بوحدة الشعب ولا إلى دعوات الانقسام والتخوين...
الوحدة الوطنية أغلى ما عندنا لا نهديها لعدو مجرم غاصب...
أيها الأخوة والرفاق...
نقف باحترام أمام الدم اللبناني المُراق على أنه من أرفع القيم الوطنية دفاعاً عن لبنان وشعبه...
إن ذهب الانقسام السياسي إلى أقصى الحدود المتخيلة، فإنه من العار الوطني ان يتنكّر أحد في البلد لتضحيات شعبنا ومقاوميه البواسل...
لا تسقط التضحيات بل تسقط السياسات والاستراتيجيات جميعها إن هي خذلت التضحيات...
مفاوضات تجري تحت ترهيب السلاح ومنطق سلام القوة، معادلة مفجعة تسقط معها كل مفاهيم السيادة الوطنية وقواعد التفاوض المتعادل...
لا صدقية لأي حديث عن السيادة مع الولاءات لكل خارج، لبنان غارق في سياسات المحاور خلافاً لكل ادّعاء...
السيادة الوطنية هي فعل إرادة شعبية لا تستعار أو تفرض في مفاوضات مع عدو غاصب...
لا سيادة وطنية للدولة بلا وظائف التحرير وحماية الشعب وتوفير العدل الاجتماعي من القهر، تسقط السيادة إن تخلّت الدولة عن وظائفها هذه ...
أيها الأخوة والرفاق...
مآسي الحرب وأهوالها وضراوة العدوان ورهانات السياسة والدبلوماسية والتفاوض والسلام لن تنال جميعها من ذاكرة اللبنانيين، إن إسرائيل عدوّ وإن فلسطين قضية حق وعدل...
كل الأوراق في يد أميركا ولا دور للشرعية الدولية وتغييب كامل لإتفاقية الهدنة هكذا قرر المفاوض اللبناني، ذلك اختلال فاضح...
خالف المُفاوِض اللبناني النصوص الدستورية والقانونية عندما خرق فريقه أحكام قانون مقاطعة إسرائيل، ومن المستغرب أن يتغاضى مجلس النواب عن هذا التجاوز الجسيم...
بالأمنيات وبلا عناصر قوة ماثلة على الأرض، يفاوض لبنان...
كأن نزيف الدم ووجع النزوح وخراب الدور ذريعة تفاوض دوني، تلك معادلة انكسار لا تفاوض ...
على المفاوِض اللبناني أن يدرك أن مسار المفاوضات يعاكس تطلعات اللبنانيين بوقف الحرب المجرمة ضد بلدهم ...
اللبنانيون يريدون وقف الحرب واستعادة الأرض والدور ولا يريدون سلام الإذعان والإخضاع وترتيبات أمن لمناطق منزوعة السكان...
من المعيب حقاً أن نرى البعض في لبنان يسعى لإسناد مستحيل لسلام مستحيل مع إسرائيل...
هو سلام موهوم لا سند له في ذاكرة اللبنانيين ولا في طبقة إجتماعية غالبة منهم ولا في أحقية وعدالة قضية فلسطين ولا في إجرام وعنصرية الصهيونية...
أيها الأخوة والرفاق
أمام خرائط جديدة لعالم عربي يتفكّك والأبواب المشرّعة لكل نفوذ دولي وإقليمي مع انكشاف استراتيجي عربي، ومناطق عازلة في لبنان وفلسطين وسوريا تفرضها إسرائيل بالعدوان...
وبين تيه المحاور وأفخاخ إسرائيل وجهالة العصبيات الطائفية وضعف الأوراق التفاوضية وغياب التوافقات الوطنية، لبنان يحتاج بشدة إلى تصحيح مساراته السياسية والدبلوماسية والميدانية...
لتتوقف الاندفاعة نحو المجهول أو نحو انهيار البنيان الوطني والتفكك...
لنتفكّر ولنتحاور ولنتوافق كشعب واحد في وطن واحد ولنحدد خياراتنا الوطنية ومساراتها الآمنة ...
ذلك ليس كلاماً أطلقه في مناسبة بل هو التزام سنعمل به بدايةً مع رفاقنا في الحزب الشيوعي لبلورة صيغة عملية لعمل وطني يضع وزنه في معادلات القوة والقرار...
حماية لبنان من الانكسار السياسي أمام العدو، تحرير الأرض، توفير مقومات الصمود، سلامة الجبهة الداخلية ووحدة الشعب وتحقيق العدل الاجتماعي وحقوق العيش الكريم...
إن الأوضاع المعيشية تتدهور بشكل سريع، ولعلّ الأيام القادمة تنذر بإنفجارات إجتماعية كبيرة...
إن ذلك يفرض حضور وطني متحرّر من العصبيات الطائفية والفئوية وقادر على مواكبة مطالب الناس ورفدها بعناصر القوة...
إن العمل الوطني بات ضرورة ملحة في ظروف الاحتلال والعدوان وفي ظل الأنين الاجتماعي الذي بلغ مداه وفي واقع الانسداد السياسي وتشظيه الطائفي والمذهبي والفئوي...
لن نخذل شعبنا لا في ميادين التحرير والحرية ولا في ميادين الحقوق والعدالة الاجتماعية...
وفي ختام الاحتفال، توجه الحاضرون وأضاؤوا شعلة التحرير على وقع الأغاني الوطنية.