كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
البارحة، وبينما كنت أعمل في مكتبي، سمعت صفيراً لم يدم أكثر من ثانية.
ثانية واحدة فقط.
ثم دوّى انفجار هائل اهتزت له النوافذ والجدران والكرسي الذي أجلس عليه. نهضت إلى النافذة فرأيت ألسنة النار تتصاعد من سيارة أصابها صاروخ،
قد يكون هبط من السماء …
ضجيج. صراخ. سيارات إطفاء وإسعاف.
التقطت صورة للمشهد وأرسلتها إلى عائلتي واصدقائي لأطمئنهم أنني بخير، وأن الانفجار وقع في الجهة المقابلة من الشارع.
ثم عدت إلى مكتبي.
جلست على الكرسي نفسه.
وتابعت عملي.
بعد دقائق، أعلنت الشاشات الصغيرة المحمولة مقتل ثلاثة أشخاص كانوا داخل السيارة المستهدفة، وأضافت وسائل الإعلام رقماً جديداً إلى حصيلة الحرب الطويلة.
ثلاثة قتلى آخرون.
يضافوا إلى آلاف القتلى والشهداء
رقم جديد.
وسرعان ما انتهى الخبر.
لكن ما استوقفني لم يكن الانفجار، ! بل نفسي.
كيف عدت إلى عملي بهذه السرعة؟
كيف عاد المارة إلى السير؟
وكيف عادت المدينة إلى ضجيجها المعتاد وكأن شيئاً لم يكن؟
ربما لأن الإنسان يعتاد كل شيء.
يعتاد الفرح.
ويعتاد الحزن.
ويعتاد الخوف أيضاً.
حتى الموت.
وهنا تكمن إحدى أقسى نتائج الحروب؛ فهي لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تغيّر علاقتنا بالموت نفسه. فما كان يوماً حدثاً يهز مدينة بأكملها، يتحول مع الوقت إلى خبر عاجل، ثم إلى رقم في بيان، ثم إلى ذكرى عابرة.
لكن خلف كل رقم حياة كاملة.
خلفه أم تنتظر.
وأب يحلم.
وأصدقاء يضحكون.
وأحلام صغيرة لم تكن تعلم أنها ستتوقف فجأة عند تلك اللحظة.
ربما لا نستطيع منع الموت.
لكننا نستطيع أن نرفض الاعتياد عليه.
لأن أخطر ما في الحروب ليس عدد الذين يسقطون، بل أن يصبح سقوطهم أمراً عادياً.
فحين يفقد الموت قدرته على ترويعنا ، لا يكون الخراب قد أصاب الأرض فقط، بل أصاب شيئاً أعمق في ارواحنا .