في الثالث من أيلول المقبل، تستضيف قاعة «لاسال» في الرميلة – صيدا عرسًا جماعيًا ينظمه رجل الأعمال المستشار سامي بقاعي، في مبادرة تتجاوز في معناها حدود الاحتفال بالزواج، لتفتح نافذة للفرح في زمن أثقلته الأزمات، وتمنح ثلاثين عريسًا وعروسًا فرصة لبدء حياة جديدة بعدما حالت الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة دون إتمام زواجهم.
فكرة العرس الجماعي ليست جديدة، وقد شهدت مناسبات لبنانية وفلسطينية عدة تنظيم مثل هذه الأعراس، غير أن خصوصية المبادرة في صيدا تنبع من توقيتها ودلالتها. فهي تأتي بعد مآسي الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من موت ودماء ودمار ووجع، وكأنها محاولة لوضع قليل من الفرح فوق جراح ما زالت مفتوحة، وبلسمٍ على ذاكرة مثقلة بالشهداء.
كما تأتي المبادرة في ظل ضائقة اقتصادية ومالية خانقة، وأوضاع معيشية ترهق العائلات، ولا سيما أبناء المخيمات الفلسطينية الذين يعيشون منذ سنوات تحت وطأة ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة. وقد كشف الجدول الأولي للعرسان عن نحو ثلاثين عريسًا وعروسًا لم يتمكنوا من الزواج بسبب كلفة الاحتفال ومتطلباته، فيما امتدت خطوبة بعضهم إلى ثلاث وأربع وخمس سنوات، وكأن الزواج ظلّ موعدًا مؤجلًا أمام أبواب الحياة.
لكن المستشار سامي بقاعي يؤكد أن جوهر المبادرة لا يتمثل في إقامة عرس جماعي بحد ذاته، فهو سبق أن نظم أكثر من عرس جماعي في سنوات سابقة، وإنما في الفكرة التي تقف خلفه: التكافل الاجتماعي ومساعدة العرسان على الانتقال من الانتظار إلى الحياة.
ويشرح بقاعي أن الفكرة ارتبطت أساسًا بالوضع الاقتصادي الذي يعيشه الناس، موضحًا أن المجتمع اعتاد أن يتعامل مع الحاجات وفق نمط المساعدة المباشرة؛ فحين يحتاج شخص إلى عملية جراحية، تتوجه المساعدات إليه، وحين تواجه عائلة وضعًا اجتماعيًا صعبًا، يُقدَّم لها الدعم، وحين يكون شخص فقيرًا، قد تصل إليه سلة من المواد الغذائية.
أما هو، فكان يبحث عن شكل آخر من المبادرات، يقوم على الاستدامة بدل الاكتفاء بالمساعدة الآنية. ويقول: كانت فكرتي أن تكون المبادرة، إذا أردنا أن تكون إنمائية أو تنموية، قائمة على أساس مستدام. لا أن نعطي الشخص مساعدة تنتهي بانتهاء قيمتها، بل أن نساعده بطريقة تجعله قادرًا على توفير مبلغ وإنفاقه في مكان آخر يحتاج إليه.
ويستشهد بقاعي بمبادرات سابقة طرحها وعمل عليها، وفي مقدمتها مشاريع الطاقة الشمسية في المخيمات، حيث لم يكن هدفه أن يمنح شخصًا خمسين أو مئة دولار، بل تركيب طاقة شمسية تساعده على توفير مبلغا شهريًا من فاتورة الكهرباء، ليتمكن من استخدامه في احتياجات أخرى لا يستطيع تأمينها.
ويضيف أن الهدف كان أن تتحول الفكرة إلى حالة مجتمعية قابلة للتكرار، فيقتدي بها الناس، ويقوم شخص بتركيب نظام للطاقة الشمسية لدى شخص آخر، فتنتقل المبادرة من فرد إلى آخر، وتكبر فائدتها بدل أن تبقى محصورة في حدود مساعدة واحدة.
ومن هذا المنطلق، يرى بقاعي أن مبادرة فردية ينبغي ألا تشبه العمل الجمعياتي التقليدي الذي يقوم أحيانًا على معادلة بسيطة: أشخاص يعملون وآخرون يستفيدون. بل يريدها أن تقوم على مراحل، وأن يشارك فيها متطوعون، وأن يشعر المستفيد بأنه جزء من حالة اجتماعية أوسع، لا مجرد متلقٍ للمساعدة.
وهذا النهج لم يتوقف عند الطاقة الشمسية. فقد أطلق أيضًا «مركز غسان البقاعي»، الذي يتجه إلى تعليم الأطفال مهارات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورات التعليمية، إلى جانب الاهتمام بالأشخاص الذين لديهم إعاقات أو احتياجات تعليمية في مجالات مختلفة، من خلال ما يرتبط بالجسر التعليمي ولغة النطق وغيرها من البرامج.
وبينما كانت هذه الأفكار تتبلور، بدأ البقاعي يسمع حكايات الشباب الذين طال انتظارهم للزواج. شخص يقول إنه مخطوب منذ سنتين، وآخر منذ أربع سنوات، وثالث امتدت خطوبته إلى خمس سنوات، فيما كانت عائلات الخطيبات تربط إتمام الزواج بإقامة حفلة وشراء فستان العرس وتحمل كلفة الاحتفال، وهي تكاليف تبدو بسيطة في لحظة الفرح، لكنها تتحول في الظروف الاقتصادية الراهنة إلى جدار يصعب على كثيرين عبوره.
من هنا، بدأت فكرة العرس الجماعي تأخذ شكلها العملي. يقول بقاعي إن الفكرة طُرحت قبل المونديال، ثم جرى تأجيلها، قبل أن يعاد طرحها خلال تلك الفترة مع الإعلان عن النية في تنفيذها. وما إن أُعلن عنها حتى انهالت الاتصالات خلال فترة قصيرة، حتى إن الساعات الثماني والأربعين الأولى كشفت عن حجم كبير من الحماس لدى الراغبين في المشاركة.
لكن اختيار العرسان لم يكن عشوائيًا، إذ جرى فرز الأولويات وفق معايير متعددة. ولم يكن الوضع المادي العامل الوحيد، رغم أنه أخذ حيزًا أساسيًا من الدراسة، بل جرى النظر أيضًا إلى مدة الخطوبة، فالأولوية لمن طال انتظاره سنوات، ومن بات يحتاج إلى نافذة فرح تعيد إليه وإلى أهله معنى المناسبة التي ظلوا ينتظرونها.
ويشرح بقاعي أن النظر إلى المسألة من زاوية الاحتياجات المادية وحدها قد يقود إلى نتيجة مختلفة. فلو قيل إن تكلفة العرس يمكن أن تُستخدم لشراء ثلاجة وغسالة وفرن غاز وغرفة نوم، فقد تبدو هذه الحاجات أكثر إلحاحًا في الحسابات اليومية. لكن المسألة، بالنسبة إليه، لا تُقاس بهذه الطريقة فقط.
فالعرس ليس فستانًا وصالة وموسيقى وطاولة طعام؛ إنه لحظة فرح جماعية تدخل بيتًا طال انتظاره، وتجمع الأهل والأصدقاء حول بداية جديدة. ولذلك، فإن منح شاب وفتاة فرصة للاحتفال بزواجهما يعني أيضًا منح عائلتيهما وأصدقائهما مساحة للفرح، وإدخال مناسبة مضيئة إلى حياة أثقلتها الأزمات.
ومن هنا تتجاوز المبادرة حدود الثلاثين عريسًا وعروسًا الذين سيحتفلون بزواجهم، لتطرح فكرة أوسع عن المجتمع الذي يستطيع أن يتكافل في زمن الضيق، وأن يحوّل المساعدة من فعل فردي مؤقت إلى ثقافة اجتماعية قابلة للاستمرار.
ويقول بقاعي إن الهدف أن تحث المبادرة على الرواج داخل المجتمع في ظل الاستنكاف، وأن تعزز مفهوم التكافل، بحيث يتحمل كل شخص مسؤوليته في المكان الذي يستطيع أن يساعد فيه. فإذا نجحت الفكرة، يمكن أن يأتي شخص آخر ويقول: أريد أن أفعل الشيء نفسه، وأن تتكرر المبادرة مرة بعد أخرى.
وهكذا، يصبح العرس الجماعي أكثر من مناسبة للزواج؛ يصبح محاولة لاستعادة الفرح من بين ركام الأزمات، ورسالة تقول إن التكافل ليس فقط في إغاثة المحتاج حين يشتد به العوز، بل في أن نساعده على أن يفتح بابًا جديدًا في حياته.
وفي صيدا، حيث تتجاور ذاكرة الحرب مع ذاكرة اللجوء، وحيث تحمل المخيمات حكايات طويلة من الصبر والانتظار، يأتي العرس الجماعي في الثالث من أيلول ليقول إن الفرح، حتى في أصعب الظروف، يمكن أن يجد له مكانًا؛ وأن يدًا تمتد لمساعدة عريس وعروس على بناء بيت، قد تكون في معناها الأوسع يدًا تمتد لترميم شيء من الحياة نفسها.