يُعد ملف المخالفات والتعديات على الأملاك العامة والأرصفة في مدينة صيدا من الملفات الصعبة والمعقدة، ليس لأن معالجته مستحيلة، بل لأن جزءاً كبيراً من هذه التجاوزات تراكم على مدى سنوات طويلة، حتى بات بعضها يُعامل وكأنه أمر واقع، وينظر أصحابها إلى المساحات التي استحوذوا عليها وكأنها حق مكتسب، لا تعدياً على حق عام.
وهنا تكمن صعوبة المعالجة. فإزالة مخالفة قديمة ليست مجرد إزالة حاجز أو إخلاء رصيف، بل هي إعادة ترسيخ لمبدأ أساسي: أن الأملاك العامة ملك للجميع، وأن مرور الزمن لا يحوّل التعدي إلى حق، وأن تنظيم المدينة لا يمكن أن يقوم على الاستثناءات.
ومن الطبيعي ألا يُعالج ملف بهذا الحجم بيوم وليلة، وتبقى إعادة الأرصفة إلى وظيفتها الأساسية مرتبطة بمسار تدريجي ومنظم، مع الحفاظ على مصالح أصحاب المحال والمؤسسات وأرزاقهم ضمن الأطر المسموح بها.
فالتنظيم لا يعني قطع الأرزاق، كما أن حماية مصالح الناس لا تعني تحويل الرصيف أو الطريق العام إلى مساحة خاصة.
ولا تقتصر آثار هذه التجاوزات على إعاقة حركة المشاة، بل تنعكس أيضاً على حركة السير، وتساهم في زيادة الازدحام، خصوصاً في الشوارع التي تشهد أصلاً ضغطاً مرورياً كبيراً.
ويُحسب لبلدية صيدا العمل الجاري في هذا الملف، ولا سيما الحضور والمتابعة الميدانية لعضو المجلس البلدي ورئيس لجنة المخالفات والتعديات وائل قصب، بالتعاون مع قائد شرطة بلدية صيدا المفوّض الأول بدر قوام، إلى جانب مواكبة قائد منطقة الجنوب في قوى الأمن الداخلي العميد ضاهر، وبالتنسيق مع محافظ لبنان الجنوبي.
هذه الجهود تستحق التقدير، خصوصاً أن التعامل مع مخالفات تراكمت على مدى سنوات ليس أمراً سهلاً، وما يجري على الأرض يشكل خطوة مهمة في معالجة ملف طال أمده.
لكن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط فقط بإزالة المخالفات، بل بما سيحدث بعدها.
فليس من المقبول أن تُرفع مخالفة بعد سنوات من وجودها، ثم تعود إلى المكان نفسه بعد أيام أو أسابيع نتيجة اتصال أو واسطة أو تدخل.
فالجهد الذي يُبذل في الميدان يجب ألا يضيع بإعادة ما أُزيل.
كما لا يجوز أن تختلف المعاملة بين شخص وآخر، فيُزال تعدٍّ من أحدهم بينما يُسمح لآخر بالإبقاء على مخالفة مماثلة لأنه محسوب على جهة سياسية أو أمنية أو يملك من يتدخل لصالحه.
فالقاعدة التي تنظم المدينة يجب أن تكون واحدة، بعيداً عن الأسماء والعلاقات والنفوذ.
وهذا لا يعني استهداف أصحاب المحال والمؤسسات أو تجاهل مصالحهم، بل أن تُناقش أي حالات خاصة عبر الأطر الرسمية، بما يحفظ مصالحهم ضمن القواعد نفسها ويحمي في الوقت ذاته حق الناس في الأملاك العامة.
صيدا أمام فرصة حقيقية للحفاظ على ما تحقق، ومن حق الجهات التي تقوم بهذا العمل أن تستكمل جهودها بعيداً عن أي ضغط يعيد المشكلة إلى ما كانت عليه.
فهل نحافظ على ما بدأ، ونترك هذه الجهود تستكمل طريقها بمعيار واحد ينطبق على الجميع من دون استثناء؟