بعد نحو سبع سنوات على الانهيار المالي الذي حوّل ​الودائع المصرفية​ من أموال قابلة للسحب إلى أرقام معلقة في دفاتر المصارف، أقرّ مجلس النواب تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها. وكان يفترض أن يكون التشريع خطوة طال انتظارها لإعادة بناء قطاع مصرفي انهار تقريبًا مع انهيار الثقة بالدولة ومصرف ​لبنان​، لكنه خرج إلى العلن مثقلًا بأسئلة أكبر من مواده: من يتحمل الخسائر؟ ماذا يبقى للمودع؟ هل يدفع المساهم أولًا كما تقتضي قواعد معالجة المصارف المتعثرة، أم تصل الخسائر في نهاية المطاف إلى أموال المودعين؟ ومن يحاسب عن القرارات التي أوصلت القطاع إلى هذه الحال؟


هذه الأسئلة ليست تفصيلًا في قانون مصرفي معقد. هي جوهر الأزمة اللبنانية نفسها.

القانون يعلن بوضوح أن هدفه وضع إطار حديث يتلاءم مع المعايير الدولية، ومعالجة تعثر المصارف، والحفاظ على الوظائف الأساسية، وحماية الودائع أثناء الإصلاح أو التصفية، والحد من استخدام الأموال العامة لإنقاذ المصارف المتعثرة. وهذه أهداف سليمة في أصلها، بل يصعب على أي تشريع حديث أن يتجاهلها. لكن المشكلة اللبنانية لا تبدأ من غياب الإطار القانوني وحده؛ فهناك فجوة مالية هائلة تكونت على مدى سنوات، فيما فقد المودعون عمليًا القدرة على التصرف بجزء كبير من أموالهم منذ 2019. ويقدر ​البنك الدولي​ خسائر القطاع المالي اللبناني بنحو 72 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي، فيما يؤكد أن قانون إعادة هيكلة المصارف لن يصبح نافذًا بصورة مكتملة قبل إقرار قانون آخر يحدد تقدير الخسائر وتوزيعها.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: لبنان أقر قانونًا لتنظيم المصارف المتعثرة قبل أن يحسم بصورة نهائية القانون الذي سيحدد كيفية معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع. النص نفسه يعترف بهذا الترابط، إذ يعلّق تطبيقه إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
بمعنى آخر، نحن أمام نصف المعادلة فقط.

القانون الحالي ينظم كيفية التعامل مع مصرف فاشل أو على وشك الفشل، لكنه لا يقدم وحده الوصفة الكاملة لإعادة أموال المودعين. ولذلك فإن أي احتفال مبكر باعتبار إقراره نهاية أزمة الودائع سيكون مضللًا.

من نقاط قوة النص أنه يحاول للمرة الأولى بناء مسار واضح يبدأ بتحديد ما إذا كان المصرف متعثرًا أو معرضًا للتعثر، ثم يخضعه ل​تقييم مالي مستقل​، وبعد ذلك تقرر ​الهيئة المصرفية العليا​ ما إذا كان المطلوب إصلاح وضع المصرف أو تصفيته. وتستند عملية التقييم إلى معايير دولية للتقارير المالية، ويُفترض أن يتولاها مقيمون مستقلون لا تربطهم بالمصرف مصالح متعارضة.

هذه خطوة مهمة؛ لأن إعادة هيكلة مصرف متعثر من دون معرفة القيمة الحقيقية لموجوداته ومطلوباته تعني ببساطة توزيع خسائر على أرقام غير موثوقة. والخسائر المصرفية لا يمكن أن تعالج بالتمنيات أو بالسياسة، بل بميزانية شفافة وتقييم مستقل.

لكن استقلال التقييم ليس القضية الوحيدة. فالهيئة المصرفية العليا تمنح صلاحيات واسعة للغاية. فهي تستطيع أن تتولى إدارة المصرف، وأن تقيل أعضاء مجلس الإدارة والإدارة العليا، وأن تفرض تغييرًا في هيكل الملكية، وأن تأمر ببيع أصول، وأن تعدّل آجال استحقاق مطلوبات المصرف وفوائدها، بما فيها بعض الودائع، وأن تعلق بعض الإجراءات القانونية.

الحاجة إلى هذه الصلاحيات مفهومة في حالات الإنقاذ السريع؛ فالمصرف المنهار لا يمكن تركه رهينة موافقات مساهمين أو إدارة كانت جزءًا من المشكلة. لكن اتساع السلطة يفرض في المقابل رقابة أكثر صرامة، لأن الخطأ هنا لا يعني خسارة ميزانية مؤسسة واحدة، بل قد يعني إعادة توزيع مليارات الدولارات بين أصحاب حقوق مختلفين.
والقانون يحاول معالجة هذا الخطر عبر إلزام أعضاء الهيئة بالإفصاح عن تضارب المصالح، ووضع قيود على علاقتهم السابقة أو الحالية بالمصرف، بما في ذلك مساهمتهم أو عملهم السابق فيه أو وجود مصالح مالية مباشرة لهم أو لأفراد عائلاتهم. لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو ما إذا كانت هذه الضمانات كافية عندما يكون حاكم ​مصرف لبنان​ وقيادات نقدية ورقابية جزءًا من الهيكل الذي يتخذ قرارات مصيرية في مصارف كانت تحت إشراف المنظومة نفسها قبل الانهيار.

هنا لا يتعلق الأمر باتهام أفراد، بل بمبدأ مؤسسي: الجهة التي كانت جزءًا من منظومة الرقابة السابقة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الشفافية عندما تنتقل إلى إدارة آثار الانهيار.

المسألة الأكثر حساسية تبقى في ما يسمى «الإنقاذ الداخلي» أوBail-in. الفكرة، في جوهرها، ليست لبنانية ولا استثنائية؛ إنها جزء من آليات عالمية لمعالجة المصارف المتعثرة من دون اللجوء تلقائيًا إلى المال العام. لكن نجاحها يتوقف على ترتيب واضح لتحمل الخسائر.

وهنا يقدم القانون اللبناني ترتيبًا يبدأ بالأموال الخاصة للمساهمين، ثم الأدوات الرأسمالية والديون المرؤوسة، ثم بعض ودائع كبار المساهمين وأعضاء الإدارة، وبعدها فئات أخرى من المطلوبات، قبل الوصول إلى الودائع غير المؤمنة ثم المؤمنة.

هذا الترتيب يمثل نقطة قوة جوهرية، لأنه يضع رأس المال في الواجهة قبل المودع. وهو أيضًا قريب من المبدأ الذي أصر صندوق النقد على اعتماده في استراتيجية لبنان، أي عدم تحميل المودعين الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.
لكن القانون يترك مساحة حساسة عندما ينص على إمكان استخدام Bail-in على ودائع العملاء ضمن عملية إصلاح المصرف. وهنا يجب التفريق بين أمرين غالبًا ما يختلطان في الخطاب السياسي: أن يكون المودع في نهاية سلسلة امتصاص الخسائر لا يعني أن ودائعه آمنة بالكامل، كما أن وجود الودائع في سلم الخسائر لا يعني تلقائيًا اقتطاعها أو تحويلها إلى أسهم.

المسألة تتوقف على حجم الخسائر المتبقية بعد استنفاد المراتب السابقة، وعلى تصميم قانون استرداد الودائع، وعلى قدرة الدولة والمصارف ومصرف لبنان على توفير الموارد اللازمة.

ولهذا، فإن العبارة السياسية السهلة «القانون يحمي المودعين» تحتاج إلى كثير من التحفظ، مثلما تحتاج العبارة المعاكسة «القانون يهضم أموال المودعين» إلى تدقيق. الحقيقة أكثر تعقيدًا.

ومن العناصر الإيجابية المهمة أن القانون يقر مبدأ «لا دائن أسوأ مما كان سيكون عليه في التصفية». فإذا أدى الإصلاح إلى وضع مالي أسوأ لدائن أو مساهم مما كان سيحصل عليه في حالة تصفية المصرف، يمكنه اللجوء إلى المحكمة الخاصة والمطالبة بالتعويض عن الفارق. وهذه ضمانة قانونية مهمة، لأنها تمنع، من حيث المبدأ، الهيئة من تحميل فئة معينة خسائر تتجاوز ما كانت ستتحمله في سيناريو التصفية.

لكن النقطة الأهم في القانون ربما لا تتعلق بالمودع أصلًا، بل بمن تسبب في الخسارة.

النص يتيح للهيئة أو المدير المؤقت رفع دعاوى على كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوضين بالتوقيع ومفوضي المراقبة الذين شغلوا مواقعهم خلال السنوات العشر السابقة إذا وجدت أسباب معقولة للاشتباه بارتكاب مخالفات مدنية أو جزائية. كما يسمح باسترجاع مدفوعات مخالفة للقانون أو لمبادئ الحوكمة، واسترداد تحويلات تمييزية أضرت بمودعين آخرين.
وهذا في الاتجاه الصحيح تمامًا.

فلا معنى لإعادة هيكلة مصرف على حساب المودعين إذا لم تبحث الدولة أولًا في الأموال التي خرجت بصورة غير مشروعة أو في المعاملات التي استفاد منها أصحاب نفوذ، ولا معنى للحديث عن توزيع عادل للخسائر إذا بقي من استفاد من النظام قبل الانهيار بمنأى عن المساءلة.

المشكلة هي أن النص يعطي أدوات قانونية للاسترداد، لكنه لا يضمن وحده أن الأموال ستعود فعلًا. وهذا فرق كبير بين التشريع والتنفيذ. الأموال التي نُقلت إلى الخارج تحتاج إلى تعاون قضائي دولي، وحجوزات، وأحكام قابلة للتنفيذ، ومسارات طويلة قد تتعطل لسنوات.

وهنا تظهر إحدى أهم الفجوات: قانون إصلاح المصارف ليس قانون مساءلة عن الانهيار. هو يفتح الباب للمساءلة، لكنه لا يحل محل التحقيقات القضائية والجنائية والمالية التي يجب أن تجري بالتوازي.

أما المقارنة الدولية فتوضح أن لبنان لا يخترع مفهومًا غريبًا. في الاتحاد الأوروبي، تقوم قواعد معالجة أزمات المصارف على فكرة أن المساهمين والدائنين يتحملون الخسائر وفق تراتبية محددة، مع حماية مبدأ ألا يخرج الدائن من عملية الإنقاذ بوضع أسوأ مما كان سيحصل عليه في التصفية. كما تُستخدم عمليات الـ​bail​-in ضمن إطار منظم لتقليل الاعتماد على أموال الدولة.

لكن الفارق اللبناني كبير: في أوروبا يدخل المودع إلى نظام لديه مؤسسات مالية أقوى، وآليات ضمان ودائع فاعلة، وقواعد واضحة لحل المصارف. أما في لبنان، فالمودع يواجه أزمة فقدان ثقة بالنظام نفسه. وهذا يجعل استيراد الأداة من دون استيراد البيئة التي تمنحها المصداقية أمرًا محفوفًا بالمخاطر.

وفي الولايات المتحدة، تختلف الفلسفة أكثر. فعندما يفشل مصرف مؤمّن، تتولى المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع FDIC عمليات الحل أو التصفية، وتدفع الودائع المؤمنة وفق القواعد المعتمدة. وفي نموذج القرار المباشر للمصرف المؤمّن، تحتفظ المؤسسة بالأصول والمطلوبات وتتحمل تكلفة التصفية وفق النظام التأميني، كما تؤكدFDIC أن أي مودع لم يخسر أموالًا مؤمّنة لديها منذ إنشائها عام 1933.

المقارنة تكشف شيئًا جوهريًا: حماية المودع لا تتحقق بترتيب قانوني مجرد، بل تحتاج إلى مؤسسة قادرة على تمويل الحماية وتنفيذها.

وهنا يعود لبنان إلى المربع الأصعب.
من سيدفع؟

المساهمون يجب أن يدفعوا أولًا، وهذا مبدأ سليم. ثم يجب تحميل أصحاب الديون الأدنى مرتبة نصيبهم وفق القانون. ثم استرداد ما يمكن استرداده من الأموال التي خرجت بصورة مخالفة. لكن ماذا عن خسائر مصرف لبنان؟ وماذا عن الدولة؟ وماذا عن الأموال العامة؟ وماذا عن المودعين الذين تتجاوز ودائعهم حدود الحماية؟

هذه الأسئلة لم يحسمها هذا القانون وحده، ولذلك فإن الحكم عليه قبل صدور قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع سيكون سابقًا لأوانه. وهذا يتفق مع موقف صندوق النقد الذي شدد على أن استراتيجية إعادة هيكلة المصارف يجب أن تكون متوافقة مع السيولة المتاحة، وأن المساهمة المطلوبة من الدولة لا ينبغي أن تقوض استدامة الدين العام.

وهذه النقطة هي بيت القصيد.

لبنان لا يستطيع حماية كل الودائع من المال العام من دون أن يسأل من أين سيأتي المال، لأن الدولة نفسها مفلسة أو مثقلة بالديون. وفي المقابل، لا يستطيع أن يضع العبء الأكبر على المودعين الذين خسروا مدخراتهم أصلًا، ثم يطلب منهم تمويل إصلاح المصارف التي حُرموا من أموالهم بسبب انهيارها.

لذلك فإن المسألة ليست اختيارًا أخلاقيًا بين المودع والدولة، بل معادلة مالية قاسية: تحديد الخسائر الحقيقية، ثم توزيعها وفق القدرة والمسؤولية والتراتبية القانونية، مع حماية صغار المودعين قدر الإمكان.

ويُحسب للمشرّع أنه أوجد محكمة مصرفية خاصة للنظر في المنازعات المتعلقة بالودائع والديون في عمليات التصفية، بما يوفر قناة قضائية متخصصة بدل ترك كل نزاع موزعًا على مسارات مختلفة. كما أن تشكيل لجان التصفية يضم ممثلًا عن الدائنين والمساهمين والمودعين، إضافة إلى خبراء مصرفيين وقانونيين ورئيس المؤسسة الوطنية لضمان الودائع أو ممثله، وهي صيغة يمكن أن تساعد على إدخال أصحاب المصالح مباشرة في العملية.

لكن هذه الضمانات تحتاج إلى استقلال فعلي وسرعة في العمل وشفافية في نشر النتائج.

في المحصلة، لا يصح وصف القانون بأنه وصفة لإعادة أموال المودعين، كما لا يصح اختزاله في أنه قانون لتصفية المصارف على حساب أصحاب الودائع. هو، في جوهره، قانون لإدارة المصرف المتعثر وتوزيع الخسائر وفق تراتبية محددة، بينما يبقى السؤال الأكبر خارج حدوده المباشرة: كيف ستعالج الدولة الفجوة المالية؟ ومن سيدفع الجزء الذي لا تستطيع المصارف تحمله؟

وهنا تحديدًا تكمن قوته وحدوده في آن.

قوته أنه يضع قواعد كان لبنان يفتقدها: تقييم مستقل، إدارة مؤقتة، أدوات إنقاذ وتصفية، مساءلة محتملة، تراتبية للخسائر، وإمكانية الطعن القضائي. وضعفه أنه لا يستطيع، بمفرده، أن يعيد الثقة أو الودائع أو النظام المصرفي إلى الحياة.
والأهم من ذلك كله أن نجاحه لن يقاس بعدد المصارف التي ستنجو من التصفية، بل بما إذا كان سيؤدي إلى إعادة بناء قطاع مصرفي جديد لا يحمل معه ممارسات القطاع القديم.

لقد أقر البرلمان القانون في 12 آب، ورحب صندوق النقد في 20 آب بهذه الخطوة باعتبارها مهمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التنفيذ الفعلي هو الاختبار الحقيقي، فيما بقيت استكمالات تشريعية أخرى ضرورية لمعالجة الأزمة المالية ككل.

وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لم تبدأ عند إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، بل بعده.

فإذا تحولت التصفية إلى وسيلة لمحاسبة من تسبب بالخسائر، وإعادة الرسملة إلى فرصة لبناء مصارف أكثر صلابة، وأصبح ترتيب تحمّل الخسائر فعليًا لا نظريًا، ووُضع قانون واضح وعادل لاسترداد الودائع، يمكن عندها القول إن لبنان بدأ أخيرًا في معالجة أصل الأزمة.

أما إذا انتهت إعادة الهيكلة إلى معادلة بسيطة يدفع فيها المودع الجزء الأكبر من الفاتورة، فيما تبقى المسؤوليات القديمة معلقة، فإن ما يسمى «إصلاح المصارف» لن يكون إلا إعادة ترتيب للخسائر.

واللبنانيون لا يحتاجون إلى قانون جديد يخبرهم بأن أموالهم ستعود يومًا ما. ما يحتاجونه هو قانون يجيب، للمرة الأولى وبوضوح لا يحتمل التأويل: كم بقي من أموالهم، من المسؤول عن خسارتها، من سيدفع، ومتى يستطيعون استعادتها؟

وهذا السؤال، أكثر من أي مادة أخرى، هو الذي سيحدد ما إذا كان القانون بداية إصلاح حقيقي أم مجرد فصل جديد في أزمة لم تنتهِ بعد.