خفّضت "ستاندرد آند بورز غلوبال" في تقرير أصدرته في منتصف الشهر الجاري، توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان لعام 2026 بأكثر من 11 نقطة مئوية، في ظل إستمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان. وبدّلت الشركة المتخصصة في تحليل الاسواق وتصنيف المخاطر الائتمانية، تقديراتها من نمو متوقع بنسبة 3 بالمئة في شباط 2026 إلى إنكماش بنسبة 8.6 بالمئة في آب 2026.
ونشرت الشركة خريطة التوقعات الخاصة بالنمو والانكماش في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان للأعوام من 2026 إلى 2029، فجاءت على الشكل التالي:
-عام 2026: تسجيل انكماش حاد بنسبة -8.6 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي ،نتيجة للعدوان الإسرائيلي والتداعيات العسكرية المباشرة. أما التبعات المعيشية لهذا الانكماش الحاد سيترجم فوراً على أرض الواقع إلى ارتفاع قياسي في معدلات البطالة والفقر، والضغط الشديد على العملة المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين، واتساع عجز الموازنة العامة وتراجع الإيرادات الضريبية للدولة.
-عام 2027: بدء التعافي بنسبة نمو متوقعة تبلغ 3.5 بالمئة.
- عام 2028: تباطؤ معدل النمو ليبلغ 2 بالمئة.
- عام 2029: واستقرار نسبي للنمو عند 2.5 بالمئة.
إستندت "ستاندرد آند بورز غلوبال" في توقعاتها على عدة معايير، أولها الصدمة الاقتادية الحادة التي أصابت لبنان في العام 2026، إذ إعتبرت أن الانكماش بنسبة -8.6 بالمئة ناتج عن توقف شبه كامل للقطاعات الإنتاجية الرئيسية (مثل السياحة، والخدمات، والزراعة)، إضافة إلى تدمير البنية التحتية، ونزوح السكان، وتراجع الاستهلاك المحلي والعالمي للخدمات اللبنانية.
و بحسب الخبراء هذا الرقم يعكس حالة "ركود عميق" أو "انكماش حربي اقتصادي"، إذ أن خسارة ما يقارب عُشر حجم الاقتصاد في عام واحد تعني انهياراً سريعاً في القدرة الإنتاجية، وإغلاقاً واسعاً للمؤسسات، وتراجعاً حاداً في مستويات الاستهلاك والاستثمار.
في المُقابل أشارت "ستاندرد آند بورز غلوبال" إلى أن لبنان في العام 2027 ، سيكون تحت تأثير ما يسمى في علم الاقتصاد "سنة القاعدة" المنخفضة (Base Effect)، أي أنه سيشهد قفزة إقتصادية متوقعة بنسبة(3.5 بالمئة)، وهي ليست نمواً هيكلياً مستداماً بقدر ما هي تعافٍ جزئي تلقائي ،يبدأ بعد انتهاء الأعمال العسكرية وتحرك عجلة الإعمار، وذلك بالمقارنة مع سنة الانكماش الشديد (2026).
من المتوقع أن يسجل لبنان استقرارا في النمو بين 2 إلى 2.5 بالمئة في الاعوام (2028 - 2029)، وهذا يعكس عودة الاقتصاد إلى مساره البطء التقليدي، ما لم تُصاحب عملية الإعمار إصلاحات مالية ومؤسسية جذرية. وبالرغم من تحول الأرقام إلى الإيجاب، إلا أن هذا النمو لا يعني ازدهاراً؛ بل هو مجرد محاولة للنهوض من القاع الاقتصادي الجديد الذي تسببت فيه سنة 2026.
تجدر الاشارة إلى أن الشركة أبقت هذا المسار مرهوناً بتدفق أموال إعادة الإعمار والمساعدات الدولية؛ وفي حال تأخر المساعدات أو استمرار التوتر الأمني، قد يستمر الانكماش لفترة أطول.
ولذلك وضع المؤشر شرطين أساسيين لإعتماد أرقام النمو الإيجابي في المستقبل:
1. بدء إعادة الإعمار: تدفق رؤوس الأموال لترميم البنية التحتية والمنشآت المهدمة.
2. توقف الأعمال العدائية واسعة النطاق، أي استقرار الوضع الأمني كشرط أساسي لعودة الثقة بالأسواق.
تتوافق هذه الرؤية مع تصريحات وزارة المالية اللبنانية، حيث تُقدر نسبة الانكماش بين 7 إلى 10 بالمئة لعام 2026 . وبحسب تقديرات بنك JP Morgan، فإن حجم الاقتصاد الاسمي للبنان يدور حالياً حول مستويات 32.3 مليار دولار، ويتوقع ألا ينجح الاقتصاد في العودة إلى مستويات ما قبل أزمة عام 2019 حتى عام 2033، مما يؤكد عمق "فجوة الإنتاج".