حين تخصص مؤسسة لبنانية جزءًا من استثماراتها لتركيب ألواح الطاقة الشمسية وشراء البطاريات والمولدات بدل شراء آلة جديدة أو توظيف عامل إضافي، لا تعود أزمة الكهرباء مجرد عبء على فاتورة التشغيل. بل تصبح عاملًا قادرًا على تحديد حجم المؤسسة وقدرتها على النمو والاستثمار والمنافسة.
وهذا تحديدًا هو الوجه الآخر لكلفة الطاقة في لبنان. فبعد انتقال جزء منها إلى أسعار السلع والخدمات، يبقى جزء آخر داخل المؤسسة، يضغط على هامش الربح ويؤثر في قرارات التوظيف والتوسع، فيما يواجه المنتج المحلي منافسين يعملون في دول لا تتحمل مؤسساتها الفاتورة الكهربائية نفسها.
المنافس يبدأ السباق من موقع مختلف
يشير الخبير الاقتصادي ميشال فياض، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن الصناعي في دول مثل الأردن ومصر وتركيا لا يواجه نموذج الفاتورة المزدوجة نفسه الذي تتحمله المؤسسة اللبنانية.
وبالتالي، يدخل المنتج اللبناني المنافسة محملًا أصلًا بكلفة إضافية قبل احتساب عوامل أخرى مثل التمويل والنقل والخدمات اللوجستية والضرائب.
ويظهر هذا الأثر بصورة أكبر في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، من الصناعات الغذائية والتبريد إلى البلاستيك والورش والتصنيع، حيث يمكن للكهرباء أن تشكل جزءًا كبيرًا من كلفة الإنتاج.
وتصبح المعادلة أكثر صعوبة عندما يستطيع التاجر استيراد سلعة مشابهة صُنعت ضمن نظام طاقة أقل كلفة، ما يضع الصناعة المحلية أمام خيارين صعبين: رفع السعر والمحافظة على هامش الربح، أو خفض الهامش للبقاء قادرة على المنافسة.
الاستثمار للبقاء بدل الاستثمار للنمو
لكن أثر الكهرباء لا يتوقف عند المنتج النهائي. فبحسب فياض، أصبح جزء من الأموال التي كان يمكن توجيهها إلى شراء المعدات أو زيادة الإنتاج أو التوظيف يذهب إلى الألواح الشمسية والمولدات والبطاريات.
ويصف هذا المسار بأنه "استثمار للبقاء وليس للنمو". فالمؤسسة التي تستثمر عشرات آلاف الدولارات لتضمن استمرار التيار لا تضيف بالضرورة خط إنتاج جديدًا ولا تزيد عدد العاملين لديها. هي تنفق لتتمكن من المحافظة على مستوى النشاط الموجود أصلًا.
وهذه النقطة أساسية لفهم تأثير أزمة الطاقة على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: الكلفة لا تظهر فقط في الحساب الشهري للكهرباء، بل أيضًا في الفرصة الاستثمارية الضائعة.
ما هي "الكلفة اللبنانية الإضافية"؟
هل يمكن تحويل هذا العبء إلى رقم واحد؟ يجيب فياض بأن ذلك غير ممكن بدقة في ظل غياب إحصاء وطني شامل، لكن يمكن تكوين فكرة عن حجم الفارق.
ويقارن بين كلفة كيلوواط/ساعة في شبكة كهربائية مستقرة في المنطقة، أو الكلفة المستوية للطاقة الشمسية، التي يضعها ضمن نطاق يقارب 6 إلى 12 سنتًا، وبين الكلفة التي تتحملها المؤسسة اللبنانية فعليًا بعد إضافة المولد والخسائر والرسوم الثابتة.
وبحسب تقديره، يمكن أن تصل الكلفة الفعلية في بعض الحالات إلى 3 وحتى 8 أضعاف تلك المستويات.
وكانت تقديرات سابقة للبنك الدولي قد تحدثت، حتى قبل بلوغ الأزمة مراحلها الأكثر حدة، عن إمكانية تحقيق وفورات كبيرة سنويًا في حال خفض الاعتماد على مولدات الديزل.
الشمس أنقذت مؤسسات...
أمام هذا الواقع، وجدت آلاف المؤسسات في الطاقة الشمسية وسيلة لتقليص فاتورتها.
ويشير فياض إلى القفزة الكبيرة التي شهدها لبنان في القدرة المركبة للطاقة الشمسية خلال سنوات قليلة، بعدما انتقلت من نحو 100 ميغاواط إلى ما بين 1200 و1300 ميغاواط.
وبالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لم يكن التحول مجرد خيار بيئي، بل قرارًا اقتصاديًا.
فبحسب الدراسات التي يستند إليها فياض، سجلت بعض المؤسسات التي انتقلت إلى الطاقة الشمسية وفورات شهرية تراوحت بين 750 و2500 دولار، فيما انخفضت تكاليف التشغيل في بعض الحالات بما يصل إلى 40%، ووصلت فاتورة الكهرباء لدى بعضها إلى مستويات منخفضة جدًا.
لكن الاستفادة ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. فهناك كلفة أولية للاستثمار، والحاجة إلى مساحة كافية لتركيب الألواح، وكلفة استبدال البطاريات، إضافة إلى تفاوت جودة التركيبات وغياب سوق متكاملة تسمح ببيع فائض الإنتاج إلى الشبكة.
ومن هنا يختصر فياض التجربة بعبارة واضحة: "الطاقة الشمسية أنقذت مؤسسات، لكنها لم تصلح النظام".
لكن هل تستطيع إصلاح قطاع الكهرباء؟
بالنسبة إلى فياض، لا يمكن أن يكون الحل الدائم مجرد إضافة المزيد من الألواح على أسطح المنازل والمصانع.
فكل مؤسسة تنتج كهرباءها بنفسها قد تنجح في تخفيف فاتورتها، لكن ذلك لا يلغي الكلفة التي يتحملها الاقتصاد نتيجة ضعف الشبكة العامة، ولا يؤمن حلًا للمؤسسات والأسر التي لا تستطيع تمويل أنظمة خاصة.
لذلك يضع فياض في مقدمة الإصلاحات المطلوبة جعل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء مستقلة وفاعلة فعليًا، إلى جانب خفض الخسائر التقنية وغير التقنية وتحسين الجباية.
كما يشدد على الحاجة إلى تعرفة لكهرباء لبنان تسمح بتغطية الكلفة مع حماية صغار المستهلكين، وإلى تطوير الإنتاج من خلال مزيج يشمل الغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع والتخزين.
ويضاف إلى ذلك، بحسب فياض، تنظيم قطاع المولدات بصورة فعلية من خلال العدادات وتطبيق التعرفات ووضع حد للريوع والاحتكارات المحلية.
المشكلة ليست في الكيلوواط وحده
نجحت الطاقة الشمسية في إعطاء عدد من المؤسسات اللبنانية مخرجًا جزئيًا من أزمة الكهرباء، لكنها أوجدت في الوقت نفسه واقعًا لافتًا: كل مؤسسة باتت مضطرة إلى بناء جزء من بنيتها التحتية الكهربائية بنفسها لكي تتمكن من الإنتاج.
ومن هنا تتجاوز المسألة سعر الكيلوواط/ساعة. فالكلفة الحقيقية تشمل الأموال التي لم تُستثمر في آلات جديدة، والوظائف التي لم تُخلق، والتوسع الذي أُجّل، والمنتج المحلي الذي بات عليه أن ينافس سلعة مستوردة بكلفة طاقة أقل.
وفي هذا المعنى، لا يصبح إصلاح الكهرباء مجرد ملف خدمات عامة، بل جزءًا من أي سياسة جدية لإعادة تحريك الاستثمار والإنتاج ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني.